وفى حاشية الجمل على الجلالين"تمنت الموت من جهة الدين إذ خافت أن يُظَنَّ بها السوءُ في دينها، أو استحياءً من الناس فأنساها الاستحياءُ بشارة الملائكة لها بعيسى - عليه السلام -، أو لعلها قالت ذلك: لئلا تقع المصيبة بمن يتكلم فيها، وإلا فهي راضية بما بشرت به، فلا يرد السؤال كيف تمنت الموت مع أنها كانت تعلم أن الله تعالى بعث لها جبريل - عليه السلام - ووعدها بأن يجعلها وولدها آية للعالمين 000" [1] 0
رحماتٌ ونفحاتٌ
قال تعالى {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) }
في غمرة الآلام التي ألمّت بمريم رضي الله عنها، وفى تلك اللحظات العصيبة التي مرت بها وهى تعاني من آلام المخاض والوحدة والوحشة والترقب لما ينتظرها من قومها حين يجدوا معها هذا الوليد، في غمرة هذه الآلام الحسية والنفسية تغمرُها رحمةُ الله تعالى فيتحول العسر إلى يسر والضيق إلى سعة والحزن والقلق إلى فرح واستبشار وطمأنينة، ويولد عيسى - عليه السلام - في جوٍّ من الكراماتِ، وينطقه [2] المولى - عز وجل -، ويقول لها كما أخبر القرآن (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) .
ولقد ذكر بعض المفسرين أن المنادي هو جبريل - عليه السلام - واحتجوا بأن عيسى - عليه السلام - لم يتكلم حتى أتت به أمه إلى قومها وأن جبريل - عليه السلام - كان في بقعة من الأرض منخفضة وهي كانت في ربوة عالية فناداها من ذلك المكان المنخفض وهي في ربوة عالية 0
قال القاسمي" (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) أي من مكان أسفل منها تحت أَكَمَه [3] وهو جبريل" [4] 0
والذي أراه في هذه المسألة: أن الذى نادها هو عيسى - عليه السلام -، وذلك لأمور هي:
(1) - حاشية الجمل على الجلالين 3/ 57، 58 ويراجع روح البيان 5/ 326 كما يراجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 11/ 92 - وإرشاد العقل السليم لأبى السعود 3/ 578 0
(2) - التفسير الكبير للرازى 21/ 204 0
(3) - الأكمه: تل وقيل شرفة كالرابية وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد، والجمع أكم وأكمات مثل قصبة، وقصب وقصبات، وجمع الأكم إكام مثل جبل وجبال، وجمع الإكام أُكُم بضمتين مثل كتاب وكُتُب، وجمع الأكم آكام مثل عنق وأعناق المصباح المنير للفيومي 1/ 10 مادة أ ك م.
(4) - محاسن التأويل للقاسمي 11/ 119