* أنه آخر مذكور والأصل أن يعود الضمير إلى أقرب مذكور لفظا ورتبة قال تعالى {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) }
يلاحظ عودة الضمير إلى عيسى - عليه السلام - في الآيات - هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً، فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ، فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا، فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ 0
* أن الله تعالى أنطق عيسى - عليه السلام - تسلية لأمه وتثبيتا لقلبها، وإشارة لها إلى أنه كما نطق أمامها وحدها فسوف ينطق أمام قومها ببراءتها (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا(29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30 ) ) ولقد أجرى الله هذه المعجزة أمامها وحدها، ثم أجراها بعد ذلك أمام قومها، كما أجرى الله معجزة قلب العصا إلى حية أمام موسى وحده، قبل أن يجريها أمام فرعون وملئه تثبيتا لموسى - عليه السلام - وإعدادا له لمواجهة هذا الموقف 0
* ومما يؤيد ويؤكد أن المنادي هو عيسى - عليه السلام - قراءة ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية شعبة بفتح ميم (مَن) على أنه اسم موصول، وفتح تاء تحتها (مِنْ تَحْتِهَا) [1]
وفى هذه القراءة إشارة إلى أنه كان تحتها أحد، والذي تحتها هو عيسى - عليه السلام - حين وضعته، فأنطقه الله تعالى بما يزيد أمُّه فرحا به واستبشارا بقدومه ويقينا بأن الله تعالى اصطفاها على نساء العالمين بهذه الآية العجيبة تكريما ومزية.
قال الإمام الرازي"ولا يليق بالمَلَك أن يناديها من تحتها، وهى في حالة الولادة والانكشاف" [2] .
{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} : السريّ: قيل هو الجدول - النهر الصغير الجاري - سمى بذلك لأن الماء يسري فيه، وعلى هذا القول عامة المفسرين [3] .
(1) - يراجع حجة القراءات لابن زنجلة ص 441 والتبصرة لمكي بن أبي طالب القيسي ص 586 0
(2) - التفسير الكبير للإمام الرازي 21/ 205 0
(3) - يراجع جامع البيان للطبري 16/ 54 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/ 17 وزاد المسير لابن الجوزي 5/ 221، والتفسير الكبير للرازي 21/ 205 والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 11/ 94 وروح البيان للبروسوي 5/ 327 0