والسياق يدلُّ على ذلك قال تعالى (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) فدل الأكلُ على وجود الرطب ودل الشرب على وجود الماء الذى جاء عن طريق ذلك الماء الجاري 0
روى البخاري في صحيحه بسنده عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: (سَرِيًّا) : نهرٌ صغيرٌ بالسّريانية [1] 0
وأخرجه الحاكم عن البراء قال:"السريُّ هو الجدولُ، أي النهر الصغير" [2] 0
وقد أجرى لها المولى - عز وجل - هذا النهرَ كرامةً لها، وإرهاصًا لعيسى - عليه السلام -، وتسليةً لقلبها 0
{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) } .
نعمة أخرى ونفحة كبرى لمريم رضي الله عنها، أن يأتيها رزقها من الرطب وهي في مكانها، بقدرة الله - عز وجل - ولطفه ورحمته، وكانت تلك النخلةُ يابسةً فاخضرَّت وأثمرت في غير أوانها؛ كرامة لمريم وتسلية لقلبها وزيادةً في يقينها، وإظهارا لقدرة الله - عز وجل - وعجيب صنعه 0 [3]
(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) ، كلي من ذلك الرُّطَبَ الجنيَّ واشربي من ذلك الماء العذب، وقرِّي عينا: أي وطيبي نفسا بهذه الآيات وتلك الكرامات، واهنئي بهذا المولود المبارك الذي صاحب مولده تلك النفحات.
{ ... فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) } 0
أمرت بالصوم عن الكلام لأمرين: أحدهما: أن كلام عيسى - عليه السلام - وهو في المهد أقوى وأبلغ في إزالة التهمة عنها، وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني: أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعِرْضِ وأنسب لحيائها.
مواجهة فاصلة
قال تعالى {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) } سورة مريم 27، 29 0
(1) - رواه الإمام البخاري في صحيحه كتاب/ أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ) فتح الباري 6/ 549 0
(2) - رواه الحاكم في المستدرك وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي - المستدرك كتاب التفسير باب تفسير سورة مريم 2/ 373 0
(3) - يراجع: قصص الأنبياء لابن كثير ص 565، 566 0 وغرر التبيان في من لم يسم في القرآن لابن جماعة ص 329