الصفحة 30 من 73

قال الإمام القرطبي"لما اطمأنت لما رأت من الآيات، وعلمت أن الله تعالى سيبين عذرها، أتت به تحمله من المكان القصي الذى كانت انتبذت فيه" [1] .

والفاء هنا في (فأتت) تفيد التعقيب، والسرعة، وهناك مفارقة عجيبة في هذه القصة ففي بدايتها (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا) وفى نهاية المطاف (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ 000)

* ففي الموضع الأول نرى مريم البتول رضي الله عنها تسارع بحملها بعيدا عن قومها، خوفا من نفوسهم المريضة وعقولهم الفاسدة وظنِّهم السيئ وكلامهم الجارح حين يرونها وهى حامل 0

* وفى الموضع الثاني بعد أن وضعت المسيح وقرت عينُها به واطمأن قلبها إليه وانشرح صدرها، بالكرامات التي وقعت لها، وامتلأ قلبها يقينا، وتبدل خوفُها أمنا، وحزنُها سرورا وضعفُها قوة وعزة وترفعا وتحديا وتعاليا على الباطل وأهله، فجاءت إلى قومها يحملها اليقين ويحدوها الأمل ويقودها الإيمان، وهى تحمل وليدها الحبيب نبيَّ الله عيسى - عليه السلام -، جاءت ولسان حالها يقول معبرا عن نفسها الطاهرة الزكية العزيزة الأبية، الآمنة المطمئنة، الراضية المرضية، الهادئة الهانئة بهذه الهدية التي منحها لها رب البرية، جاءت ولسان حالها يقول:

فليتك تحلو والحياةُ مريرةٌ ... وليتَكَ ترضى والأنامُ غضابُ

وليت الذى بيني وبينك عامرٌ ... وبيني وبين العالمين خرابُ

إذا صح منك الودُّ فالكلُّ هيِّنٌ ... وكلُّ ما فوقَ الترابِ ترابُ

لقد أصبحت مريم أمًّا لنبي، وأيُّ شرف لأمٍّ أعظمُ من ذلك، وأيُّ رجاء أعظم من نجابة الولد واستقامته، ومع ذلك فإنها تعرف سالفا موقف قومها، الذين يقابلون الآيات بالإنكار والجحود، والإنعامات بالحسد والحقد، وقد صدق ظنُّها فيهم حين رأوها فقالوا دون تفكر أو تمهل كما أخبر القرآن الكريم: {قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) } : أي شيئا فظيعا منكرا 0

قال صاحب المفردات"الفري قطع الجلد للخرز والإصلاح، والإفراء للإفساد، والافتراء فيهما وفى الإفساد أكثر 000 وقوله تعالى إخبارا عن قول قوم مريم (قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) قيل معناه عظيما، وقيل عجيبا وقيل مصنوعا، وكل ذلك إشارة إلى معنى واحد" [2] .

{يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) } 0

بعد أن اتهموها، وافتروا عليها، قالوا لها هذه المقولة على سبيل السخرية والتهكم والتشكيك والتحريض 0

(1) - الجامع الأحكام القرآن للقرطبي 11/ 99 0

(2) - المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني: مادة ف ر ى ص 379 باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت