قالوا {يَاأُخْتَ هَارُونَ} تشبيها لها: بهارون النبي أخي موسى عليهما السلام في تقواه وصلاحه وحيائه.
ويجوز في اللغة إطلاق الأخ على النظير والشبيه والمعين، قال تعالى {وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) } الزخرف: 48 وقال سبحانه {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) } الإسراء: 27
ويؤيد هذا: ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -. قال: لما قدمتُ نجرانَ سألوني: فقالوا: إنكم تقرؤون: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) } [سورة مريم 28] ، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمتُ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - سألتُهُ عن ذلك، فقال (إَنّهُمْ كَانُوا يُسَمَّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ) " [1] ."
كلام المسيح - عليه السلام - في المهد
قال تعالى {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) }
نطق عيسى - عليه السلام - وهو في المهد بقدرة الواحد الأحد، نطق أول ما نطق بأنه عبد الله وفي هذا تنزيهٌ لله تعالى عن الصاحبة والولد، وردٌّ على النصارى الذين زعموا أنه إله وابن إله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا 0
* يقول الإمام الرازي في هذا المقام:"إن الذى اشتدت إليه الحاجة في ذلك الوقت إنما هو نفي التهمة عن مريم، ثم إن عيسى - عليه السلام - لم ينصَّ على ذلك وإنما نصَّ على إثبات عبوديته لله كأنه جعل إزالة التهمة عن الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن الأم، فلهذا أول ما تكلم إنما تكلم بها، لأن التكلم بإزالة التهمة عن الله تعالى يفيد إزالة التهمة عن الأم، لأن الله سبحانه لا يخصُّ الفاجرة بولد في هذه الدرجة العالية والمرتبة العظيمة، وأما التكلم بإزالة التهمة عن الأم فلا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى فكان الاشتغال بذلك أولى" [2] 0
(1) - رواه مسلم في صحيحه كتاب الآداب - باب النهي عن التَّكَنِّي بأبي القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء - 9 - (2135) ، ورواه الترمذي في السنن عنه أبواب تفسير القرآن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باب: ومن سورة مريم - حديث 5164 وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس.
(2) - التفسير الكبير للإمام الرازي 21/ 209 0