الصفحة 32 من 73

وقال الإمام الألوسي:"وذكر عبوديته لله تعالى أولا: لأن الاعتراف بذلك على ما قيل هو أول مقامات السالكين، وفيه رد على من يزعم ربوبيته وفى جميع ما قال تنبيه على براءة أمه لدلالته على الاصطفاء والله سبحانه أجلُّ من أن يصطفي ولد الزنا، وذلك من المسلمات عندهم، وفيه من إجلال أمه عليهما السلام ما ليس في التصريح، وقيل لأنه تعالى لا يخص بولد موصوف بما ذكر إلا مبرأة مصطفاة" [1] .

{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) } : (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) فهو - عليه السلام - عبد من عباد الله، أنعم الله عليه وآتاه الكتاب قال تعالى {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) } الزخرف: 59، فنطق - عليه السلام - أول ما نطق بغاية وجوده وكمال إنسانيته: عبوديته لله تعالى.

(آتَانِيَ الْكِتَابَ) آتاه المولى - عز وجل - الإنجيل كما قال سبحانه {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) } الحديد: 27

(وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) أنعم الله عليه بالنبوة، وهي اصطفاء خاصٌّ، ومنزلة عظيمة، ومكانة عالية، لا تكون إلا لأشرف وأكرم وأطهر خلق الله 0

فنبوته - عليه السلام - دليل على براءة أمه، لأن الأنبياء هم أطهرُ الناس نسبا 0

{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ:} أي نفّاعا حيث كنت، وقيل معلما للخير، وقيل البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتا في الدين، صاحب عزم ويقين، وقيل البركة هي الزيادة والعلو، فكأنه قال جعلني في جميع الأشياء غالبا موفقا إلى أن يكرمني الله بالرفع إلى السماء [2] 0

والمقصود من كلامه: [آتَانِيَ، وَجَعَلَنِي، وَأَوْصَانِي] باعتبار ما سيكون، إخبارٌ عما قدره الله تعالى له، فهو في حكم الواقع المحقق لأنه سيقع بإذن الله [3] .

(1) - روح المعاني للألوسى 16/ 89 0

(2) - يراجع غرائب القرآن للنيسابوري 16/ 53 والتفسير الكبير للرازي 21/ 214، 215 0

(3) - يقول الشوكاني في تفسيره"وقيل إنه آتاه الكتاب وجعله نبيا في تلك الحال وهو بعيد"0 فتح القدير للشوكاني 3/ 321 0 ويراجع ما ذكره الطبري في جامع البيان 16/ 80 وابن كثير في تفسيره 3/ 119 وابن الجوزي في زاد المسير 5/ 229 وقال الإمام الألوسي:"والتعبير بلفظ الماضي في الأفعال الثلاثة إما باعتبار ما في القضاء المحتوم أو بجعل ما في شرف الوقوع لا محالة كالذي وقع"روح المعاني للألوسي 16/ 89 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت