الصفحة 34 من 73

تعقيب على القصة

ضلال النصارى في شأن عيسى - عليه السلام -

قال تعالى {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) } .

طوى السياق القرآني موقف قومها من هذه الآية القاطعة والحجة الساطعة، وأشارت الآية الكريمة إلى اختلاف اليهود والنصارى في حقيقة عيسى: فاليهود كذبوه واستهانوا به، واتهموا أمه بما هي بريئة منه رغم ثبوت براءتها وظهور نزاهتها، وحسن سيرتها والنصارى غالوا فيه وادعوا ربوبيته وألوهيته.

{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) } : هذه قصة عيسى - عليه السلام - قد عرضها القرآن الكريم عرضا واضحا فهو عبد الله ورسوله، وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروح منه، قضى الله تعالى أن يولد من غير أب ليكون آيةً للناس وجعله الله رحمةً وهدى، أبعد هذا القول الحق لا يزال هناك من يمتري في شأنه بل ويفتري على الله الكذب بدعوى أن عيسى ابن الله؟ {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) } فالله تعالى منزهٌ عن اتخاذ الولد؛ إذ اتخاذ الولد افتقار إليه، والله هو الواحد الصمد، الغني فلا يفتقر إلى أحد، وإنما خلق عيسى بأمر من الله تعالى، {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) } : تقريرٌ لربوبيته تعالى وحده ودعوةٌ إلى توحيده تعالى بالعبادة، فهذا هو الصراط المستقيم والسَّنن القويم.

{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} : اختلف اليهود والنصارى في شأن عيسى - عليه السلام -؛ وما ذلك إلا بسبب الجهل والتقليد العمى وإتباع الهوى والتعصب للباطل، والإعراض عن الحق، مما دفعهم إلى الاختلاف في شأن المسيح - عليه السلام - بين جفاء وإطراء، وتفريط وإفراط، أما اليهود فقد افتروا عليه ونالوا منه، وأما النصارى فقد ضلوا فيه ضلالا بعيدا، وغالوا فيه غلوا شديدا، فجعلوه لله ندا وولدا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، فاليهود والنصارى على طرفي نقيض، ومع ذلك فكلٌّ متعصِّبٌ لباطله متحزِّبٌ له.

فالويلُ لهم من أهوال يوم القيامة ومشاهدها العظام حين يفصل بينهم.

{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38) } : ما أبصرهم وأسمعهم في ذلك اليوم العصيب! بعد أن صموا في الدنيا آذانهم وعموا أبصارهم وأهملوا عقولهم واتبعوا أهواءهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت