فاليوم يسمعون ما يخلعُ قلوبَهم ويبصرون ما يروعهم، بعد أن كانوا في دنياهم الخاسرة في غفلة وحيرةٍ ونسيان.
{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) } : أنذرهم بيومِ تتابعِ الحسراتِ التي لا جدوى لها بعد أن قضي الأمر، لكنهم في غفلة وإعراض عن هذا اليوم العصيب، فلا يؤمنون ولا يرعوون مع جلاء الآيات وكثرة النذر.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ: خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ثُمَّ قَرَأَ {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(39) } [1] . {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) } : فالملك اليوم خالصٌ لله لا ينازعه فيه أحد، ولا معقب لحكمه ولا مردَّ إلا له وليس لله تعالى وارثٌ فهو تعالى الذي يرثُ ولا يُورَثُ وهذا ردٌّ على ادعاء النصارى أن المسيح ابن الله؛ إذ الولد يرث أباه ويصبح امتدادا له، والله تعالى هو الحي الباقي وهو الوارثُ.
المناسبة بين قصة مريم وعيسى - عليه السلام - ومحور السورة
لهذه القصة ارتباطُها الوثيقُ بمحور السورة الكريمة، حيث تبينُ لنا شمولَ رحمةِ اللهِ لمريمَ وابنِها، وكمالَ عبوديتهما لله تعالى، وفيها ردٌّ صريح على ما ادعاه النصارى، فهو عبد الله ورسوله وليس ابنَ الله كما يزعمون.
(1) - صحيح البخاري كتاب التفسير بَاب قَوْلِهِ {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} حديث 4361، وصحيح مسلم كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهله باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء. حديث 5087