الصفحة 52 من 73

* لما ذكر هذه القصص العجيبة المشوقة التي يتنزل بها أمين الوحي جبريل فتقع على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - بردا وسلاما وتسلية وتسرية وأنسا وإمتاعا، مما هيَّج أشواقه إلى نزول القرآن بالمزيد من هذه القصص المشوِّقة والأخبار التي تثبت فؤاده، فتعجل نزول الوحي بها، وأبدى حرصه على أن يكثر من زيارته ليعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - المزيد والمزيدَ ويزداد يقينا وتثبيتا.

ومن وجوه المناسبة: والله أعلم: أنه لما ذكر في أول السورة نزول جبريل - عليه السلام - إلى مريم: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} بيَّن هنا أن الملائكة أجمعين لا تتنزل إلا بأمر من الله تعالى وتقدير.

التفسير الإجمالي

وما تتنزل الملائكة الكرام إلا بأمر الله تعالى فهو تعالى العليم بهم، المدبِّر لأحوالِهم، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) لا يقع منه نسيانٌ.

قال القشيري رحمه الله:"إن الملائكةَ - عليهم السلام - أبدًا يَنْزِلون بإِذن الحقِّ تعالى، فبعضهم بإنجاد المظلومين، وبعضهم بإِغاثة الملهوفين، وبعضهم بتدمير الجاحدين، وبعضهم بنصرة المؤمنين، وبعضهم إلى ما لا يحصى من أمور الناس أجمعين. واللَّهُ - سبحانه - لا يترك جاحدًا ولا عابدًا من حِفْظٍ وإنعامٍ، أو إمهالٍ ونكَال. . .." [1]

وقال النسفي رحمه الله:"... فلا نتمالك أن ننتقل من مكان إلى مكان إلا بأمر الملِكِ ومشيئته، فهو الحافظ العالم بكل حركة وسكون وما يحدث من الأحوال لا تجوز عليه الغفلة والنسيان فأنى لنا أن نتقلب في ملكوته إلا إذا أذن لنا فيه" [2] .

{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) } : فهو الخالق المالك المدبِّر لا رب غيره ولا معبود سواه (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ) فالعبادة تحتاجُ إلى صبرٍ وأناةٍ، وعزمٍ وثباتٍ، يقول صاحب الظلال:" {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} اعبده واصطبر على تكاليف العبادة، وهي تكاليف الارتقاء إلى أفق المثول بين يدي المعبود، والثبات في هذا المرتقى العالي، اعبده واحشد نفسك وعبئ طاقتك للقاء والتلقي في ذلك الأفق العلوي. . إنها مشقة، مشقة التجمع والاحتشاد والتجرد من كل شاغل، ومن كل هاتف ومن كل التفات. . وإنها مع المشقة للذة لا يعرفها إلا من ذاق، ولكنها لا تنال إلا بتلك المشقة، وإلا بالتجرد لها، والاستغراق فيها،"

(1) - لطائف الإشارات للقشيري 4/ 452

(2) - مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي 3/ 40

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت