فلأن الاعتماد على الغير لن يحقق أدنى درجات التقدم المطلوب بل هو مخدر للشعوب يلهيها عن سلوك الطريق الصحيح وهو الاعتماد على الذات ولم يحدث في تاريخ الشعوب التي حققت التنمية الاقتصادية أن قام لها بها غيرها 0
إن سياسة الاعتماد على الذات تعنى التركيز على الإمكانيات والقدرات والخبرات والوسائل التي تفي بحاجاتها المادية والمعنوية وتسد ثغراتها المدنية والعسكرية عن طريق ما يسميه الفقهاء"فرض الكفاية"وهو يشمل كل علم أو عمل أو صناعة أو مهارة يقوم بها أمر الناس في دينهم أو دنياهم فالواجب عليهم حينئذ تعلمها وتعليمها وإتقانها حتى لا يكون المسلمون عالة على غيرهم ولا يتحكم فيهم سواهم من الأمم الأخرى وبغير هذا الاستغناء والاكتفاء لن تتحقق لهم العزة التي كتبها الله لهم في كتابه حيث قال تعالى:-
(ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) (1)
وبغيره لن يتحقق لهم الاستقلال والسيادة الحقيقية وهو ما ذكره القرآن حيث قال تعالى:-
(فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) (2)
ولن يتحقق لهم مكانة الأستاذية والشهادة على الأمم وهو المذكور في ... قوله تعالى:-
(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) (3)
فلا عزة لأمة يكون سلاحها التصنيعي من صنع غيرها يبيعها منه ما يشاء ومتى يشاء وبالشروط التي يريدها، ويكف يده عنها أنى شاء ولا سيادة حقيقية لأمة تعتمد على خبراء أجانب عنها في أخص أمورها وأدق شئونها وأخطر أسرارها ولا استقلال لأمة لا تملك قوتها في أرضها ولا تقدر على النهوض بصناعة ثقيلة إلا باستيراد الآلة والخبرة من غيرها 0
إن الاعتماد على الذات إذا يضع في أيدينا إمكانيات إضافية لم تكن معنا سواء على الجانب المادي أم الجانب الانسانى، أما الاعتماد على الغير فانه يستنزف الجزء الأكبر من عائد ما تبذله من جهود، وما يتركه بعد ذلك لا يقوى على تحقيق حد الكفاية والوفاء بحاجات المجتمع 0
(1) سورة المنافقون آية (8)
(2) سورة النساء آية (41)
(3) سورة البقرة آية (143)