(68) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ"رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي، ورواية النسائي له في الكبرى [1] .
حديث مختلف في تصحيحه [2]
(1) هذا الحديث يرويه عن ابن عباس عمرو بن دينار وله عنه طريقان هما؛
1 -... الطريق الأول: ما أخرجه أحمد (1/ 248، 315، 323) ، ومسلم ح (1712) ، وأبو داود ح (3608) ، والنسائي في السنن الكبرى (3/ 490) ، وابن ماجه ح (2370) ، وغيرهم من طريق زيد بن الحباب وعبد الله بن الحارث عن سيف بن سليمان المكي عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار به.
2 -... الطريق الثاني: ما أخرجه أبو داود ح (3609) والطبراني في الكبير (11/ 105) من طريق عبد الرزاق وأبي حذيفة عن محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار به.
(2) هذا الحديث وإن كان في صحيح مسلم إلا أن أهل العلم قد اختلفوا في تصحيحه، فقد نقل ابن عدي في الكامل (3/ 437) استنكار محمد بن الحسن لهذا الحديث، وقولَ يحيى بن معين:"حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين ليس بمحفوظ"، وقال البخاري كما في العلل الكبير للترمذي ص (204) :"عمرو بن دينار لم يسمع عندي من ابن عباس هذا الحديث"، وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 145) :"وأما حديث ابن عباس فمنكر لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء".
وخالفهم جماعة من أهل العلم فصححوا الحديث بل جعلوه أصح ما في الباب فقد نقل البيهقي في السنن الكبرى (10/ 167) قول الشافعي:"حديث ابن عباس رضي الله عنهما ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرد أحد من أهل العلم مثله لو لم يكن فيها غيره، مع أن معه غيره مما يشده"، وقال النسائي في السنن الكبرى (3/ 490) :"هذا إسناد جيد وسيف ثقة وقيس ثقة ... وروى هذا الحديث محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد ومحمد بن مسلم ليس بذلك القوي ورواه إنسان ضعيف فقال: عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي مرسل وهو متروك الحديث، ولا يحكم بالضعفاء على الثقات"، وقال العقيلي في الضعفاء (2/ 173) :"وأحسن حديث في باب اليمين مع الشاهد عندنا حديث سيف هذا وسائر الروايات فيها لين"، وقال البيهقي في السنن الكبرى (10/ 167 - 168) :"سيف بن سليمان المكي ثقة ثبت عند أئمة أهل النقل ... وقد تابعه على هذه الرواية عبد الرزاق وأبو حذيفة كلاهما عن محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما ... وخالفهما من لا يحتج بروايتهم عن محمد بن مسلم فزادوا في إسناده طاوسا ورواه بعضهم من وجه آخر عن عمرو فزاد في إسناده جابر بن زيد ورواية الثقات لا تعلل برواية الضعفاء"، وأجاب عما أعله به الطحاوي في معرفة السنن والآثار (7/ 401 - 402) بقوله:"والذي يقتضيه مذهب أهل الحفظ والفقه في قبول الأخبار أنه متى ما كان قيس بن سعد ثقة والراوي عنه ثقة ثم يروي عن شيخٍ تحتمله سنُّه ولُقِيُّه غير معروف بالتدليس كان ذلك مقبولًا، وقيس بن سعد مكي وعمرو بن دينار مكي، وقد روى قيس عمن هو أكبر من عمرو سنًا وأقدم موتًا من عمرو؛ عطاء بن أبي رباح ومجاهد بن جبر، وروى عن عمرو من كان في قرن قيس وأقدم لقيًا منه أيوب بن أبي تميمة السختياني، فإنه رأى أنس بن مالك، وروى عن سعيد بن جبير ثم روى عن عمرو بن دينار، فمن أين إنكار رواية قيس عن عمرو ... وقد روى جرير بن حازم وهو من الثقات عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلًا وقصته ناقته وهو محرم، فذكر الحديث"، وقال ابن عبد البر في التمهيد لما في الموطإ من المعاني والأسانيد (2/ 138) :"وفي اليمين مع الشاهد آثار متواترة حسان ثابتة متصلة أصحها إسنادا وأحسنها حديث ابن عباس وهو حديث لامطعن لأحد في إسناده ولا خلاف بين أهل المعرفة بالحديث في أن رجاله ثقات".
ولهذا الاختلاف بين هؤلاء الأئمة الأعلام أسباب تبرر ما ذهب إليه كل فريق منهم فيما أحسب، لأن مع أصحاب كل قول من الفريقين قرائن تؤيد ما ذهبوا إليه، وتعارض ما عند أصحاب القول الآخر من القرائن، فمن القرائن التي تؤيد صحة هذا الحديث ما يلي؛
1 -... القرينة الأولى: أن عمرًا من أوثق الناس وأثبتهم انظر تهذيب التهذيب (3/ 268 - 269) ، وقد سمع من ابن عباس رضي الله عنه نص على ذلك غير واحد منهم البخاري في التاريخ الكبير (6/ 328) ومسلم في الكنى والأسماء له (720) .
2 -... القرينة الثانية: أن هذا الحديث قد رواه عن عمرو راويان، أحدهما ثقة، وهو قيس بن سعد كما في التقريب رقم (5577) ، والآخر لا بأس به وإن لم يكن حافظًا وهو محمد بن مسلم الطائفي انظر تهذيب التهذيب (3/ 695 - 696) .
3 -... القرينة الثالثة: أن سيف بن سليمان وإن كان قد تفرد بالحديث عن قيس بن سعد إلا أنه ثقة ثبت من طبقة أتباع التابعين المكيين انظر التقريب رقم (2722) ، ومن فوقه جميعًا مكيون فمثله يقبل تفرده، لا سيما وللحديث أصل من رواية محمد بن مسلم الطائفي عن قيس بن سعد.
4 -... القرينة الرابعة: أن لهذا الحديث شواهد كثيرة، حتى قال ابن حجر في فتح الباري (5/ 282) :"وفي الباب عن نحو من عشرين من الصحابة فيها الحسان والضعاف وبدون ذلك تثبت الشهرة".
5 -... القرينة الخامسة: أن هذا الحديث قد عمل بمقتضاه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم انظر جامع الترمذي (3/ 628) .
وأما القرائن التي تؤيد عدم صحة الحديث فمنها ما يلي؛
1 -... القرينة الأولى: أن الحكم الذي اشتمل عليه هذا الحديث يعتبر أصلًا عظيمًا من أصول الأحكام، وهو مع ذلك يخالف في الظاهر بعض الأصول المقررة في الدين، كقوله تعالى في آية الدين رقم (282) من سورة البقرة:"فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء"، وهذه الآية هي العمدة في الشهادة فيما يتعلق بالحقوق المالية، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم:"شاهداك أو يمينه"، وهذا الحديث وارد في قضية مالية، على أن لفظ الحديث مختلف فيه كما تقدم والنفس إلى كون لفظه على ما رواه الأعمش ـ وهو ألك بينة ـ أميل، وإن لم يكن هذا اللفظ مدفوعًا، فإذا ورد حديث يخالف في ظاهره مثل هذه القواعد، لم يكن وروده مقبولًا إلا من وجه لا يتردد في تصحيحه، وليس حديث الباب كذلك.
2 -... القرينة الثانية: عدم شهرة هذا الحديث عن عمرو بن دينار إذ لم يروه عنه سوى اثنين كما تقدم، على أن ابن عدي قد ذكر بأن داود العطار قد روى هذا الحديث عن عمرو أيضًا في الكامل في ضعفاء الرجال 6/ 127، لكنه لم يسند ذلك، وهذا يدل على قلة تحديث عمرو به، مما يبعد سماع عمرو بن دينار لهذا الحديث من ابن عباس، ويؤيد ذلك ما يلي؛
3 -... القرينة الثالثة: عدم اشتهار هذا الحديث عن محمد بن مسلم الطائفي ـ إذ لم يروه عنه سوى اثنين ـ مع ما يمكن أن يحصل عليه الآخذون لهذا الحديث عنه من العلو لهم، لأن محمد بن مسلم يرويه مباشرة عن عمرو بن دينار وبقي حيًا بعد موت سيف بن سليمان الراوي لهذا الحديث بواسطة عن عمرو نحو ثلاثين سنة لأن سيفًا قد توفي بعد سنة خمسين ومئة بينما توفي محمد بن مسلم قبل سنة تسعين ومئة، كما في ترجمتيهما، وهذه قرينة تدل على تردد محمد بن مسلم في التحديث بهذا الحديث عن عمرو، إما لأنه أخذه من سيف بن سليمان وأرسله عنه، وإما لما رأى من قلة تحديث عمرو بن دينار به، والله تعالى أعلم.
4 -... القرينة الرابعة: أن إسناد هذا الحديث مكي والقضاء بالشاهد مع اليمين إنما اشتهر عن أهل المدينة، ولذلك قال رزيق ابن حكيم كما في كتاب الأم للشافعي (6/ 255) :"كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أخبره أني لم أجد اليمين مع الشاهد إلا بالمدينة، قال: فكتب إلي أن اقض بها فإنها السنة".
5 -... القرينة الخامسة: وهي ما أشار إليها الطحاوي بأن سماع قيس بن سعد من عمرو بن دينار مشكوك فيه، لأنه لا يعلم لقيس رواية غير هذه عن عمرو، وليست هذه القرينة بالقوية فيما أحسب لما ذكره البيهقي إلا أن الملفت في الأمر أن قيس بن سعد قد توفي قبل عمرو بن دينار بست سنين على أقل تقدير لأن عمرًا توفي سنة خمسٍ أو ستٍ وعشرين بعد المئة انظر تهذيب التهذيب (3/ 269) ، بينما توفي قيس سنة سبع عشرة، وقيل تسع عشرة بعد المئة انظر تهذيب التهذيب (3/ 449) ، ومع ذلك لم يرو سيف بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن دينار مع جلالة عمرو، وحرص الطلبة عليه، وإدراك سيف وسماعه ممن هو أقدم موتًا من عمروٍ كمجاهد بن جبر انظر التاريخ الكبير (4/ 171) ، وصحيح مسلم ح (402) ، فالله تعالى أعلم.
وأخرج الشافعي هذا الحديث في اختلاف الحديث ص (280) ، وفي كتاب الأم (6/ 254) من وجه آخر عن ابن عباس وفي إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وقد كذبه غير واحد من الأئمة منهم مالك ويحيى القطان وقال أحمد والبخاري ترك الناس حديثه، انظر تهذيب الكمال (2/ 186 - 187) ، وأخرجه ابن حبان في كتاب المجروحين (1/ 159) في ترجمة أبي بشر أحمد بن محمد المروزي بسنده عن عبد الله بن كيسان عن عمرو بن دينار به، إلا أن أبا بشر قد كذبه غير واحد من الحفاظ منهم ابن حبان انظر كتاب المجروحين (1/ 156 - 159) ، ومحمد بن عبد الرحمن الدغولي انظر الكامل لابن عدي (1/ 206) ، والدارقطني وأبو الفتح الأزدي، وأبو سعد الإدريسي و أبو عبد الله محمد بن أبي سعيد الحافظ، انظر تاريخ بغداد (5/ 73) .