الصفحة 25 من 159

المبحث الثاني: أثر تولي القضاء على حفظ الرواة

القضاء في الحقيقة وظيفة كسائر الوظائف، كان الخلفاء والولاة في صدر الإسلام يتولونه بأنفسهم، ولا يجعلونه إلى من سواهم، ثم ما زال الإسلام ينتشر وتتسع رقعته حتى أصبح منصب القضاء منصبًا مستقلًا، وأول من جعله كذلك وأفرد له رجالًا لا عناية لهم إلا به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه [1] .

وبما أن القضاء وظيفة من الوظائف فليس لتوليه فيما أحسب كبير أثر على حفظ الرواة أو صحة الروايات، من الناحية النظرية لما يلي:

(1) أن تولي القضاء منصب شريف لا ينبغي أن يتولاه إلا أهل العلم الراسخون فيه، والحفظ من أسس العلم عند العلماء، وما كان بهذه المثابة لا يكون توليه منافيًا لما هو من أسسه.

(2) أنه لا فرق بين تولي القضاء أو غيره من سائر الوظائف الدينية أو الدنيوية، وإنما شغل منصب القضاء حيزًا في تاريخ المحدثين دون غيره من المناصب، لأنه وظيفة دينية لا يصلح لها إلا من كان يعرف الفقه، فلم يتوله إلا الفقهاء من المحدثين وغيرهم، وكان غير مرغوب في توليه عندهم لما ورد من الأخبار المحذرة عنه لخطورته وعظم مكانته.

(3) أن تولي القضاء إن لم يكن من دوافع الحفظ للأحاديث فليس من عوامل النسيان، لأن طبيعة عمل القضاء تعامل مع النصوص وتوظيف لها، فيحتاج القاضي في عمله إلى مراجعة مصادره التي هي الأخبار المسندة التي يمكن الاعتماد عليها بالنسبة للمحدث، ومشاورة أهل الحديث ومذاكرتهم فيما يحتاج إليه.

(4) أن القضاء وإن كان فيه بعض الشغل للمحدث إلا أنه يقابل ذلك ما ذكرت في النقطة الماضية، كما أنه من المعلوم أن القضاء لا يولى في الغالب إلا لمن كان عالمًا، قد تجاوز مرحلة الطلب الأولى من التفقه وجمع الأخبار، وأصبح

(1) انظر مقدمة ابن خلدون ص (220) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت