الصفحة 66 من 159

المبحث الثالث: الأحاديث الواردة في آداب القضاء

(32) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:"جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا فَقَالَ لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ"رواه الجماعة سوى الترمذي [1] .

حديث صحيح

في هذا الحديث دليل فيما أحسب على جواز إفتاء القاضي ولو كان ذلك فيما للقضاء فيه مدخل، أو كان في مجلس القضاء، أو للمستفتي فيه خصومة، وهو الصحيح من مذهب الشافعية [2] ، وقول عند الحنابلة [3] ، وقد احتج بعض

(1) أخرجه أحمد (6/ 225) ، والبخاري ح (2460، 3825، 5359، 6641، 7161) ، ومسلم ح (1714) ، وأبو داود ح (3533) ، والنسائي في السنن الكبرى (5/ 378) ، وغيرهم من طرق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة به.

وأخرجه أحمد (6/ 39، 50، 206) ، والبخاري ح (2211، 5364، 5370،7180) ، ومسلم ح (1714) ، وأبو داود ح (3532) ، والنسائي (8/ 246) ، وفي الكبرى (3/ 481، 5/ 378) ، وابن ماجه ح (2293) ، وغيرهم من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بلفظ:"دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي في ذلك من جناح؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك"، إلا أن بعض الرواة عنه خالف وهذا لفظ جمهور الرواة عن هشام.

مما تقدم يتبين أن الزهري وهشامًا قد اتفقا على ذكر استفتاء هند في الحديث عن نفي الجناح أو الحرج عن فعلها ذلك، وزاد هشام على الزهري ذكر نفي علم أبي سفيان بما تأخذه من ماله لتنفقه على عياله، وهي زيادة من ثقة، واختلفا في الظاهر في لفظ جواب النبي صلى الله عليه وسلم لها فقال هشام (خذي) بصيغة الأمر، وقال الزهري (لا حرج عليك) ، وليس هذا اختلافًا في الحقيقة، لأن لفظ هشام وإن كان بصيغة الأمر، فإنه يحتمل الإباحة المقتضية لرفع الحرج عن فعلها الذي استفتته عنه، وهذا الذي يوجبه النظر عند التعامل مع النصوص الثابتة المختلفة في الظاهر، لأننا لو حملنا صيغة الأمر التي في حديث هشام على الوجوب لكان في ذلك تضعيف لأحد اللفظين الثابتين في الصحيحين دون تعيين، مع إمكان تفادي ذلك، ثم إن هذا الجمع الذي ذكرته يؤيده سياق الرواية، ذلك أن هندًا إنما استفتته عن حرج في نفسها من فعلٍ تصنعه، دون علم زوجها، وجواب مثل هذا السؤال يبعد أن يكون بإيجاب ذلك الفعل، والله تعالى أعلم.

(2) انظر المجموع شرح المهذب (1/ 74) .

(3) انظر إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم (4/ 169) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت