حديث مختلف في تصحيحه [1]
(1) هذا الحديث قد اختلف في تصحيحه أيضًا فقال الترمذي في العلل الكبير له ص (201) :"سألت محمدًا ـ يعني البخاري ـ عن حديث سهيل في اليمين مع الشاهد، فقال: روى علي بن المديني عن عبد العزيز بن محمد عن ربيعة عن سهيل بن أبي صالح هذا الحديث قال عبد العزيز ثم لقيت سهيلا فسألته فلم يحفظه، ثم روى سهيل عن ربيعة عن نفسه هذا الحديث".
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في العلل له (1/ 463 - 464) :"قيل لأبي يصح حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في اليمين مع الشاهد؟ فوقف وقفةً، فقال: ترى الدراوردي ما يقول؟ يعنى قوله قلت لسهيل فلم يعرفه، قلت: فليس نسيان سهيل دافعًا لما حُكي عنه، ربيعة ثقة، والرجل يحدث بالحديث وينسى، قال: أجل هكذا هو، ولكن لم نر أن يتبعه متابع على روايته، وقد روى عن سهيل جماعة كثيرة ليس عند أحد منهم هذا الحديث، قلت: إنه يقول بخبر الواحد، قال: أجل، غير أني لا أدرى لهذا الحديث أصلا عن أبي هريرة أعتبر به، وهذا أصل من الأصول لم يتابع عليه ربيعة".
ونقل ابن أبي حاتم في العلل له (1/ 474) عن أبيه في رواية عثمان بن الحكم عن زهير قوله:"إنما هو سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعثمان بن الحكم ليس بالمتقن"، وقال ابن أبي حاتم مرةً في العلل له (1/ 469) :"سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه ربيعة عن سهيل ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيى صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين، فقالا: هو صحيح، قلت: يعنى أنه يُروى عن ربيعة هكذا، قلت: فإن بعضهم يقول: عن سهيل عن أبيه عن زيد بن ثابت، قالا: وهذا أيضًا صحيحٌ، جميعًا صحيحان".
ومعنى قوله (جميعًا صحيحان) أي صحيحان إلى من روياه عن سهيل وهما ربيعة وزهير، لا أنهما صحيحان عن سهيل، أما صحته عن ربيعة فلا إشكال فيه، وأما صحته عن زهير فكأن أبا حاتم متردد في ذلك، فمرة يقوى عنده كون الخطإ من الراوي عن زهير وهو عثمان بن حكيم لتفرده بالحديث عنه، ومرة يقوى عنده نسبة الخطإ إلى زهير لصعوبة حفظ مثل هذا الإسناد على مثل عثمان لكونه غير معهود مما يقوي احتمال كونه قد حفظه عن زهير، وأما احتمال صحة الطريقين عن سهيل فبعيد أن يكون أبو حاتم وأبو زرعة قد أرادا ذلك لما سيأتي، والله تعالى أعلم.
وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 145) :"أما حديث ربيعة عن سهيل فقد سأل الدراوردي سهيلًا عنه فلم يعرفه، ولو كان ذلك من السنن المشهورة والأمور المعروفة إذًا لَما ذهب عليه ... وأما حديث عثمان بن الحكم عن زهير ابن محمد عن سهيل عن أبيه عن زيد بن ثابت فمنكر أيضًا، لأن أبا صالح لا تعرف له رواية عن زيد ولو كان عند سهيل من ذلك شيء ما أنكر على الدراوردي ما ذكرتم عن ربيعة، ويقول له لم يحدثني به أبي عن أبي هريرة ولكن حدثني به عن زيد بن ثابت مع أن عثمان بن الحكم ليس بالذي يثبت مثل هذا بروايته".
وقال ابن عبد البر في التمهيد له (2/ 145) :"نسي سهيل حديثه هذا ثم حمله الورع على أن يحدث به عن ربيعة عن نفسه ولم يمل إلى إذكار ربيعة إياه بذلك فكان يقول حدثني ربيعة إني حدثته عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام بهذا الحديث ولم يقل هذا عن سهيل أحد إلا الدراوردي في رواية بعض الرواة عنه فيما علمت وقد رواه جماعة حفاظ عن ربيعة لم يقولوا فيه ما قاله الدراوردي على أنه قد رواه جماعة عن الدراروردي فلم يذكروا ذلك، وقد عرض ذلك لجماعة من العلماء نسوا ما حدثوا به ثم رووه عمن رواه عنهم عن أنفسهم ... ورواه زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن زيد بن ثابت وهو خطأ ... زهير بن محمد عندهم سيء الحفظ كثير الغلط لا يحتج به وعثمان بن الحكم ليس بالقوي، والصواب في حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة".
وقال ابن عدي في الكامل (3/ 221) :"لم يقل عن سهيل عن أبيه عن زيد بن ثابت غير زهير وعن زهير عثمان ابن الحكم ... وروى هذا الحديث ربيعة الرأي ومحمد بن عبد الرحمن بن رداد وغيرهما عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة وهو أصوب"كذا في المطبوع وهو لحن لأن أفعل التفضيل لا يصاغ إلا مما يتفاوت في المعنى والصواب لا يتفاوت معناه.
ورواية محمد بن عبد الرحمن بن رداد التي أشار إليها ابن عدي قد أخرجها في الكامل (6/ 190) ، وأخرجها البيهقي في السنن الكبرى (19/ 169) إلا أن محمد بن عبد الرحمن ضعيف وقد ضعه جدًا أبو حاتم والأزدي، ولم يخرج له أحد من أهل الكتب الستة انظر ميزان الاعتدال للذهبي (3/ 623) ، وقال ابن عدي في الكامل (6/ 190) :"عامة ما يرويه غير محفوظ"، وروايته هذه لا اعتبار لها لضعفه وعدم شهرة الحديث عنه، ولعدم تذكر سهيل أنه حدث بهذا الحديث ربيعة، ولو حدث سهيل أحدًا غير ربيعة لبعد أن ينسى ذلك، ولذلك توقف أبو حاتم وغيره من الحفاظ في رواية ربيعة ووصفها الترمذي بالغرابة، ومن الواضح تساهل ابن عدي في نسبة رواية هذا الحديث إلى غير ربيعة بقوله (وغيرهما) ، فإنه لم يرو هذا الحديث أحد غيرهما إلا ما يروى عن حماد بن سلمة أنه روى هذا الحديث ولا يصح ذلك عنه وسيأتي التنبيه عليه، ولعل الحامل له على ذلك قصور عبارته عما في نفسه من الاقتناع بخطإ رواية زهير فأراد أن يدعم ما في نفسه بشيء ليس هو مقتنعًا به، وهذا يُصدّقُ ما يتردد على ألسنة الحفاظ من أن الناقد قد يعلل الحديث وإذا سئل لم يأتِ على ما قال بحجة، والله تعالى أعلم.
وأما حديث المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة فقد ذكر ابن عدي في الكامل (6/ 356) وتبعه البيهقي في السنن الكبرى (10/ 169) أن عمر بن القاسم بن بندار قال سمعت محمد بن عوف يقول قال أحمد بن حنبل:"ليس في هذا الباب يعني قضى باليمين مع الشاهد حديث أصح من هذا"، بينما قال ابن عبد البر في التمهيد (2/ 147) :"المغيرة بن عبد الرحمان انفرد برواية هذا الحديث عن أبي الزناد بإسناده المذكور ولم يتابع عليه"، وقد روى مالك في الموطأ (2/ 722) ، ومحمد بن عجلان كما في مصنف ابن أبي شيبة (4/ 544) عن أبي الزناد:"أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وهو عامل على الكوفة أنِ اقضِ باليمين مع الشاهد"، زاد ابن عجلان:"فقال شيخ من مشيختهم أو قال من كبرائهم: شهدت شريحًا يقضي باليمين مع الشاهد"، وهذا مما يدل على وهم المغيرة في هذا الحديث، إذ لو كان عند أبي الزناد في اليمين مع الشاهد شيءٌ مرفوع لما اعتاض عنه مالك بهذا الأثر في موطئه وهو إمام دار الهجرة وأوثق أصحاب أبي الزناد، فلعل المغيرة اختلط عليه أثر أبي الزناد هذا بحديث ربيعة عن سهيل، فظن أن أبا الزناد يرويه مرفوعًا بسنده المشهور عن الأعرج عن أبي هريرة، ومما يؤيد ذلك ما رواه معمر عن ابن شبرمة:"أن أبا الزناد قال له اليمين مع الشاهد، فقال ابن شبرمة: فأبيت ذلك عليه، فقال أبو الزناد: منا خرج العلم، قلت: فمتى يؤوب يعني متى يرجع"انظر العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد (3/ 205) ، والكامل لابن عدي (4/ 130) ، ولو كان عند أبي الزناد في ذلك سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم لما احتج بأن مصدر العلم في أهل المدينة، وأما ما ذُكر عن الإمام أحمد أنه قال في حديث المغيرة هذا بأنه أصح ما في الباب ففيه نظر، لأن الإمام أحمد أجل من أن يصدر عنه مثل هذا، فإن حديث المغيرة خطأ بين، وليس فيما ذكر عمر بن القاسم عن محمد بن عوف عن الإمام أحمد التنصيص على حديث المغيرة ولعله قال:"ليس في هذا الباب حديث أصح من حديث أبي هريرة"فعبر بعض النقلة عنه باسم الإشارة فقال:"ليس في هذا الباب حديث أصح من هذا"أو لعله خطأ من عمر بن القاسم لما توهم أن محمد بن عوف أراد بما نقل حديثَ المغيرة، بينما هو يريد حديث ربيعة، لأن عمر بن القاسم لم يرو عن محمد بن عوف سوى حديث المغيرة هذا، بينما يروي غيره عنه أيضًا حديث ربيعة من طريق الدراوردي كما في التمهيد لابن عبد البر (2/ 142) ، وكذلك أثر محمد بن عجلان عن أبي الزناد كما في التمهيد أيضًا (2/ 142) ، ومحمد بن عوف من الحفاظ الكبار انظر تذكرة الحفاظ للذهبي (2/ 581 - 582) ، ومثله لا يقع في مثل هذا الخطإ، والله تعالى أعلم.
وأجاب ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (10/ 22 - 23) وابن حجر في فتح الباري (5/ 282) عما أعل به حديث أبي هريرة.
لكن هذا الحديث وإن كان أحسن حديث مسند في هذا الباب فيما أحسب، ففي النفس منه بعض التردد لما أشار إليه أبو حاتم من نسيان سهيل له، ومثل هذا الحديث يبعد نسيانه لأنه أصل من الأصول، وليس له متابع يصح، إلا أن رواية سهيل لهذا الحديث عن ربيعة عن نفسه دليل قوي من صاحب الشأن على احتمال نسيانه لهذا الحديث، ولذلك اكتفى البخاري حين سأله الترمذي عن هذا الحديث بذكر هاتين القرينتين المتضادتين دون تعليق أو حكم ـ أعني بهما نسيان سهيل لهذا الحديث وروايته له عن ربيعة عن نفسه ـ ولذلك أخرج الترمذي هذا الحديث، وأما حديث زهير فلا شك في كونه خطأ لعدة قرائن أهمها ما أشار إليه الطحاوي من أن سهيلًا حين سأله الدراوردي عن حديث ربيعة لم يعرفه، ولو كان عنده إسناد آخر لقال بأن ربيعة أخطأ في الإسناد وأنه عنده من رواية أبيه عن زيد بن ثابت، لا سيما والرواية عن زيد أجل وأعلى من الرواية عن أبي هريرة، ولعل الخطأ من الراوي عن زهير وهو عثمان بن الحكم لتفرده بهذا الحديث عنه، ولا أدري كيف أخطأ إلا أن يكون أراد ما أخرجه ابن ماجه ح (2038) وغيره عن أبي حفص عمر بن أبي سلمة عن زهير عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا ادعت المرأة طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد عدل استحلف زوجها فإن حلف بطلت شهادة الشاهد وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه"، فلم يتذكر من متن الحديث إلا ذكر الشاهد وتذكر حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه في جمع القرآن الذي أخرجه البخاري ح (2652) حين قال:"نسخت الصحف في المصاحف ففقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين وهو قوله (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) "ولم يتذكر من الإسناد إلا أن فيه رجلًا يروي عن أبيه فظنه سهيل بن أبي صلح عن أبيه، والله تعالى أعلم.
وأما حديث حماد بن سلمة المشار إليه فقد أخرجه أبو بكر الإسماعيلي في معجم الشيوخ (2/ 532 - 533) ، وعنه الدارقطني في سؤالات حمزة السهمي ص (122) ، وكذا أبو القاسم الجرجاني في تاريخ جرجان ص (543) ، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (2/ 145 - 146) كلهم من طريق محمد بن القاسم بن محمد بن عبد الرزاق الجمحي وهو صالح انظر سؤالات البرقاني للدارقطني ص (61) ، عن أحمد بن محمد بن أبي بزة وهو ضعيف انظر ميزان الاعتدال (1/ 144 - 145) ، عن مؤمل بن إسماعيل وفي حفظه شيء كما تقدم، عن حماد عن سهيل به، قال ابن عبد البر:"لا أعلمه روى عن حماد بن سلمة بغير هذا الإسناد وهو غير محفوظ من حديث حماد بن سلمة"، وأخرج ابن عدي في الكامل (6/ 281) حديث الشاهد واليمين عن محمد بن شبويه الخراساني عن عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة مرفوعًا، ثم قال:"والحديث بهذا الإسناد باطل"، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (2/ 147) عن عبد الله بن إبراهيم الغفاري أبي محمد المدني عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا، والغفاري متروك كما في التقريب رقم (3199) ، وشيخه ضعيف انظر التقريب رقم (3865) ، ومثلهما لا يحتمل عنهما هذا بحال، والله تعالى أعلم.