الصفحة 76 من 159

في هذا الحديث دليل على تحريم الرشوة [1] في الحكم ولا خلاف في ذلك [2] ، وفي المعنى أحاديث هذا أصحها.

(43) عَنْ عَلِيٍّ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي قَالَ عَلِيٌّ فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا"رواه الخمسة إلا ابن ماجه، ورواية النسائي في الكبرى [3] .

حديث حسن [4]

(1) مثلثة وهي في اللغة الجعل انظر القاموس المحيط مادة (الرشوة) .

(2) انظر المغني لابن قدامة (10/ 118) .

(3) أخرجه أحمد (1/ 90، 96، 111، 143، 150) ، وأبو داود ح (3582) ، والترمذي في جامعه ح (1331) ، والنسائي في الكبرى (5/ 117) وغيرهم من طرق عن سماك بن حرب عن حنش بن المعتمر عن علي بن أبي طالب به، وهو حديث مشهور عن سماك، رواه عنه غير واحد قاله البزار في مسنده (2/ 308) ومعنى رواياتهم يقتضي أن النهي في حال حضور الخصمين معًا في مجلس القضاء، وقد رواه البيهقي في السنن الكبرى (10/ 140) بسنده عن حاتم بن أبي صغيرة عن سماك بلفظ:"إذا أتاك أحد الخصمين فسمعت منه فلا تقض له حتى تستمع من الآخر"، ومعنى روايته يقتضي أن النهي في حال حضور أحد الخصمين وغياب الآخر، ولذلك قال البيهقي:"كذا في رواية حاتم بن أبي صغيرة"، والصواب عن سماك ما رواه الجماعة.

(4) هذا الحديث قال فيه علي بن المديني كما في المحرر في الحديث لابن عبد الهادي (2/ 641) :"هذا حديث كوفي وإسناد صالح"، وقال أبو عيسى الترمذي:"هذا حديث حسن"، وقال الحاكم:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ولم يتعقبه الذهبي، وقال ابن حجر في فتح الباري (13/ 171) :"هو حديث حسن"، وأعله ابن حزم في المحلى (9/ 368) بتدليس شريك وقبول سماك التلقين وضعف حنش، وضعفه عبد الحق الإشبيلي في كتاب الأحكام الوسطى (3/ 343) بضعف حنش.

وحاصل ما أعل به هذا الحديث الكلام الذي في سماك بن حرب وحنش بن المعتمر، وأما التعليل بتدليس شريك فغير متجه، لما ذكرت في المقدمة، ولعدم تفرد شريك بالحديث، ولتصريحه بالتحديث في رواية أبي داود الطيالسي عنه في مسنده ص (19) على القول بجدوى مثل ذلك، فأما سماك فمن رجال مسلم وحاصل ما قيل فيه أن عنده اضطرابًا في حديث عكرمة خاصة، وأنه كان يغلط أحيانًا، وأنه كبر فاختلط، فمن سمع منه قديمًا كشعبة والثوري فحديثه عنه صالح، انظر تهذيب التهذيب لابن حجر (2/ 114 - 115) ، وممن روى هذا الحديث عنه هنا زائدة وشريك وهما كوفيان من طبقة سفيان وشعبة، وليس في حديثه عن حنش ما يشعر بأنه غلِط فيه، وأما حنش فقد اختلف أهل العلم فيه وأكثر الأئمة على عدم الاحتجاج بحديثه، انظر تهذيب التهذيب (1/ 503 - 504) ، والمعرفة والتاريخ للفسوي (3/ 153) ، والكامل لابن عدي (2/ 438) ، فهو علة الحديث، ومع ذلك فقد قوى حديثه هذا بعض أهل العلم، ومن أهم أولئك علي ابن المديني ولعل من القرائن على تقويته لحديث حنش هذا موافقته للأصول، وإمكان تفرده وتفرد سماك عنه بمثل ذلك، وأما المتابعات والشواهد فقد ذكر بعض أهل العلم من المتأخرين بعضًا منها إلا أني لم أر فيها ما يصلح لتقوية هذا الحديث.

ومن تلك المتابعات ما يلي؛

1 -... ما أخرجه ابن حبان في صحيحه (11/ 451) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط بن نصر عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس عن علي قال:"بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالة فقلت يا رسول الله تبعثني وأنا غلام حديث السن فأسال عن القضاء ولا أدري ما أجيب قال ما بد من ذلك أن أذهب بها أنا أو أنت قال فقلت وإن كان ولا بد أذهب أنا فقال انطلق فاقرأها على الناس فإن الله تعالى يثبت لسانك ويهدى قلبك ثم قال إن الناس سيتقاضون فإذا أتاك الخصمان فلا تقضي لواحد حتى تسمع كلام الآخر فإنه اجدر أن تعلم لمن الحق"، وهذه الرواية غلط فيما أحسب لأن المشهور عن سماك روايته لحديث تقاضي الخصمين عن حنش عن علي، لا عن عكرمة عن ابن عباس عن علي، وقد اختلف على عمرو بن حماد في رواية هذا الحديث كما في زوائد عبدالله بن أحمد على المسند (1/ 150) ، وإنما روى أسباط عن حنش حديث بعث علي بسورة براءة إلى أهل مكة كما يقوله البزار في مسنده (2/ 309) ، والوهم في هذا الحديث فيما أحسب من عمرو بن حماد، وهو صدوق رمي بالرفض كما في التقريب رقم (5014) ، لأن إرسال علي بسورة براءة إنما كان لمكة لا لليمن، وقد ذكر الطبري أن الأخبار بذلك متظاهرة ـ يعني بذلك بعثة علي إلى أهل مكة ببراءة ـ ثم روى بعضها في تفسيره (10/ 63 - 65) ، وبعضُها في صحيح البخاري ح (369) فكأن عمرو بن حماد جمع على سبيل التوهم بين متن حديث شريك وغيره عن سماك في بعث علي إلى اليمن وتقاضي الخصمين، ومتن حديث أسباط عن سماك في بعث علي ببراءة إلى أهل مكة وساقهما بلفظ واحد عن أسباط، وأسباط لا يروي حديث التقاضي، والله تعالى أعلم.

2 -... ما أخرجه ابن الأعرابي في معجمه ح (1719) ، وأبو بكر الإسماعيلي في معجمه (2/ 654) ، والضياء في المختارة (2/ 388) وحسن إسناده كلهم من طريق سهل بن أبي سهل وهو سهل بن أحمد بن عثمان الواسطي يعرف بسهل ابن أبي سهل حافظ بواسط انظر معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي (2/ 654) ، وموضح أوهام الجمع والتفريق (2/ 142) عن القاسم بن عيسى الطائي عن مؤمل بن إسماعيل عن سفيان عن علي بن الأقمر عن أبي جحيفة عن علي رضي الله عنه قال:"بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن فقلت يا رسول الله إنك ترسلني إلى قوم ولا علم لي بالقضاء فوضع يده على صدري فقال: إن الله عز وجل سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقض للأول حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يبين لك القضاء، قال علي رضي الله عنه: فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء بعد"، وقد أخرج هذا الحديث أيضًا وكيع في أخبار القضاة (1/ 87) ، ووقع في المطبوع قوله:"أخبرني سهل قال حدثنا مؤمل"، وظاهر ذلك أن رواية وكيع متابعة لرواية غيره، وظني أن رواية وكيع كرواية غيره وأن سهلًا هذا الذي في رواية وكيع هو سهل بن أحمد بن عثمان الواسطي الذي في رواية ابن الأعرابي والإسماعيلي والضياء، وأنه قد سقط من المطبوع ذكر القاسم بين سهل ومؤمل، وإن كانت طبقة محمد بن خلف المعروف بوكيع تحتمل الرواية بواسطة واحدة عن مؤمل إلا أن مما يؤيد كون سهل هذا هو ابن أحمد ابن عثمان الواسطي أن وكيعًا نفسه قد روى عنه في موضع سابق على هذا الموضع في (1/ 26) حيث قال:"أخبرنا سهل بن أحمد التمار قال سمعت عمرو بن علي"، يعني الفلاس، وسهل بن أحمد الذي يروي عن عمرو بن علي هو سهل بن أحمد بن عثمان الواسطي الذي يروي هذا الحديث عن القاسم، فإن رواية سهل الواسطي عن أبي حفص عمرو بن علي الفلاس موجودة في غير ما موضع من تاريخ بغداد وإن لم يذكر المزي روايته عنه في تهذيبه انظر مثلًا تاريخ بغداد (3/ 151، 6/ 227، 7/ 349، 9/ 20، 13/ 391) ، وعليه فإن من المصادفة البعيدة أن يكون لوكيع شيخان كلاهما يسمى سهلًا، أحدهما يروي هذا الحديث عند غيره بواسطة، والآخر عنده بلا واسطة، ومع ذلك لا يذكر شيخه هنا في هذا الحديث إلا باسمه دون اسم أبيه أو نسبته، ولا يعرف في الرواة عن مؤملٍ أحد يسمى سهلًا، ومن عادة الحفاظ أنهم إذا رووا عن شيخ نسبوه في أول مرة يمر معهم ذكره، فإذا ذكروا شيخًا باسمه فحسب كان ذلك إحالة منهم على المذكور أولًا، وهذا الذي أحسب أنه وقع في رواية وكيع هذه، وعليه فإن إسناد رواية وكيع راجع إلى سهل بن أبي سهل عن القاسم بن عيسى عن مؤمل، والله ولي العلم.

وقد ضعف هذا الحديث ابن حزم في المحلى (9/ 368) بجهالة القاسم، وهو القاسم بن عيسى بن إبراهيم الطائي الواسطي كما في تهذيب التهذيب (3/ 416) وتبع ابنَ حزمٍ عبدُ الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (3/ 343) وتعقب ذلك ابن حجر في تهذيب التهذيب (3/ 416) بقوله:"وأفرط أبو محمد بن حزم كعادته فقال: مجهول لا يدري من هو"، وأحسب أن عمدة ابن حجر في رده لكلام ابن حزم قول أبي داود في القاسم بأنه تغير كما في تهذيب التهذيب (3/ 416) وهذا يقتضي أنه غير مجهول له، لكن للحديث في نظري علة تجعله فيما أحسب في عداد المناكير، وهي غرابة هذا الحديث عن سفيان الثوري مع صحة إسناده فإن رجاله مِن سفيان فمَن فوقه كوفيون من رجال الكتب الستة، ومع ذلك يتفرد بهذا الحديث الكوفيِّ عن سفيانَ غيرُ أهل بلده ـ أعني مؤملًا وهو بصري والقاسم بن عيسى الراوي عنه والرواي عن القاسم وهما واسطيان ـ على ما في مؤمل بن إسماعيل من الكلام، حتى إن بعض الأئمة قد توقفوا في قبول روايته انظر تهذيب التهذيب (4/ 193 - 194) وتفرد مثل مؤمل أو من دونه عن مثل سفيان الثوري لا يقبل، لا سيما وقد اشتهر حديث سماك عن حنش عند أهل الكوفة مع ضعفه، فلو كان الحديث عند ابن الأقمر أو سفيان لما تركه أهل الكوفة ورووه عن سماك عن حنش، والله تعالى أعلم.

وثمة متابعات لهذا الحديث ذكرها بعض أهل العلم، إلا أنها لا تصلح من حيث الدلالة، لأنها مقتصرة على ذكر بعثة علي إلى اليمن، دون ذكر تقاضي الخصمين، وهي ما روي عن عمرو بن مرة عن أبي البختري أو عبد الله بن مسلمة عن علي أو عن أبي البختري عمن سمع عليًا، وعن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي، أو عن أبي إسحاق عن عمرو بن حبشي عن علي، انظر السنن الكبرى للنسائي (5/ 117) ونصب الراية للزيلعي (4/ 60 - 61) ، والتلخيص الحبير لابن حجر (4/ 182) .

وأما الشواهد لهذا الحديث فلم أجد غير ما أشار إليه ابن حجر بقوله في بلوغ المرام ص (572) :"وله ـ يعني حديث علي ـ شاهدٌ عند الحاكم من حديث ابن عباس"، ومراد ابن حجر في ظني ما رواه الحاكم في مستدركه (4/ 99) عن ابن عباس في بعثة علي إلى اليمن، ولفظه:"بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن عليًا، فقال علمهم الشرائع واقض بينهم، قال: لا علم لي بالقضاء، فدفع في صدره فقال اللهم أهده للقضاء"، إلا أنه لا يصلح شاهدًا لما نحن بصدده، لعدم ذكر تقاضي الخصمين فيه، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت