حديث صحيح
في هذا الحديث من الفوائد أن صاحب اليد أولى من أجنبي يدعي عليه، وأن المدعى عليه تلزمه اليمين إذا لم يقر، وأن البينة تقدم على اليد ويقضى لصاحبها بغير يمين، وأن يمين الفاجر المدعى عليه تقبل كيمين العدل، وأن أحد الخصمين إذا قال لصاحبه إنه ظالم أو فاجر أو نحوه في حال الخصومة يحتمل ذلك منه [1] ، وقد احتج بعض أهل العلم بقوله (ليس لك منه إلا ذلك) على عدم جواز حكم الحاكم بعلمه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حصر الحجة في البينة واليمين [2] .
(51) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ"رواه الجماعة واللفظ للترمذي، وفي لفظ قَالَ:"لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ"رواه أحمد ومسلم والنسائي في الكبرى وابن ماجه، وفي لفظ قَالَ:"كَانَتْ جَارِيَتَانِ تَخْرُزَانِ [3] بِالطَّائِفِ فَخَرَجَتْ إِحْدَاهُمَا وَيَدُهَا تَدْمَى فَزَعَمَتْ أَنَّ صَاحِبَتَهَا أَصَابَتْهَا وَأَنْكَرَتْ الْأُخْرَى فَكَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ فَكَتَبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ أُعْطُوا بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ أَمْوَالَ نَاسٍ وَدِمَاءَهُمْ فَادْعُهَا وَاتْلُ عَلَيْهَا هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ فَدَعَوْتُهَا فَتَلَوْتُ عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ فَسَرَّهُ"رواه البخاري والنسائي واللفظ له [4] .
(1) انظر المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (2/ 159 - 160) .
(2) انظر أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي (4/ 44) .
(3) الخرز بفتح الخاء وإسكان الراء خياطة الأدم انظر كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (4/ 207) ولسان العرب لابن منظور (5/ 344) .
(4) هذا الحديث يرويه ابن أبي مليكة عن ابن عباس، وله عن ابن أبي مليكة طريقان:
الطريق الأول: طريق نافع بن عمر الجمحي، أخرجه أحمد (1/ 342، 351، 363) والبخاري ح (2514، 2668) ، ومسلم ح (1711) ، وأبو داود ح (3619) ، والترمذي ح (1342) والنسائي (8/ 248) وغيرهم عن ثلاثة عشر من أصحابه وهم؛ (أبو نعيم ومحمد بن بشر وعبد الله بن مسلمة القعنبي ومحمد بن يوسف وأبو الوليد الطيالسي) باللفظ الأول (وعبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون وأبو كامل) باللفظ الثاني (ويحيى بن أبي زائدة وخالد بن نزار وسعيد بن أبي مريم ويحيى بن أبي بكير) باللفظ الثالث (وخلاد بن يحيى) باللفظين الأول والثالث.
وخالفهم يحيى بن السكن فروى الحديث بلفظ:"البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه"، أخرجه ابن القاص في أدب القاضي (1/ 232) ، ويحيى بن السكن ضعيف انظر ميزان الاعتدال (4/ 380) ، وكذلك رواه محمد بن إبراهيم بن كثير عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثوري عن نافع بن عمر، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (10/ 252) .
والصواب ما رواه الجماعة عن نافع، لأنه من البعيد أن يروي هذا الحديث عن نافع ثلاثة عشر راويًا فيهم الحفاظ كعبد الرحمن بن مهدي وأبي نعيم ولا يحفظ أحد منهم لفظة"البينة على المدعي"مع سهولة لفظها ورواجها في الفقه ويحفظها من لا يقاربهم في الحفظ ولا في العدد، ولذلك قال البيهقي في رواية الفريابي عن الثوري:"قال أبو القاسم ـ يعني الطبراني: لم يروه عن سفيان إلا الفريابي"، غير أني أحسب أن الخطأ في هذا الحديث من الراوي عن الفريابي وهو محمد بن إبراهيم ابن كثير الصوري، وقد ذكره الذهبي في الميزان (3/ 449) والمغني في الضعفاء (2/ 545) لحديث رواه، وإنما نسب الطبراني التفرد إلى الفريابي دونه لكون الصوري قد كاتبه بهذا الحديث عن الفريابي، ويبعد في العادة أن يكاتب المحدث آخر بشيء لا يتقنه، إلا أن هناك ما يستدعي نسبة الخطإ في هذا الحديث للصوري، وهو ما يلي؛
1 -... أن محمد بن يوسف الفريابي يروي هذا الحديث مباشرة عن نافع بن عمر، كما تقدم، فيبعد في العادة أن يترك الفريابي السند العالي ويروي النازل.
2 -... أن الفريابي عادة ما يروي عن الثوري، فهو من مشاهير أصحاب سفيان انظر ترجمته في تهذيب الكمال أو تهذيب التهذيب، ولقد وجدت له في الدارمي أكثر من مئة وخمسين رواية عن الثوري، فكأن الصوري لما حدث عنه توهم أنه يروي هذا الحديث عن الثوري على العادة، والله تعالى أعلم.
الطريق الثاني: طريق ابن جريج، أخرجه البخاري ح (4552) ومسلم ح (1711) ، والنسائي في السنن الكبرى (3/ 485) وابن ماجه ح (2321) ، وغيرهم عن ثمانية من أصحابه وهم؛ (ابن وهب وخالد بن الحارث والمفضل بن فضالة وعبد الوهاب بن عطاء وأبو عاصم) باللفظ الثاني (وعبد الله بن داود ومحمد بن مسلم وحجاج بن محمد) باللفظ الثالث.
وخالفهم في لفظ الحديث أربعة فذكروا البينة وهم: محمد بن حمير هو صدوق كما في التقريب رقم (5837) أخرج حديثه ابن أبي عاصم في الديات ص (40) ، والوليد بن مسلم أخرج حديث البيهقي في الكبرى (10/ 252) ، ومسلم بن خالد الزنجي أخرج حديثه الشافعي في اختلاف الحديث ص (280) وعبد الله بن إدريس أخرج حديثه الطبراني في الكبير (11/ 117) والأوسط ح (7967) والبيهقي في الكبرى (10/ 252) لكن هذا الأخير جمع في الإسناد مع ابن جريج عثمان بن الأسود، وقال الطبراني:"لم يرو هذا الحديث عن عثمان بن الأسود إلا عبد الله بن إدريس تفرد به الحسن ابن سهل"، وقواه من المتأخرين ابن الصلاح، ثم تابعه جمع منهم كالنووي وأورده في الأربعين النووية كما في جامع العلوم والحكم ص (310 - 311) ، وابن حجر في فتح الباري (5/ 283) ، والمناوي في فيض القدير (5/ 334) ، والشوكاني في نيل الأوطار (9/ 220) ، والصنعاني في سبل السلام (4/ 132) وغيرهم.
والصواب فيما أحسب رواية الجماعة عن ابن جريج بدون ذكر البينة فإني لم أجد من المتقدمين من صحح هذا الحديث بلفظ البينة، ولذلك قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوي (35/ 391) :"وأما الحديث المشهور في ألسنة الفقهاء (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر) فهذا قد روي أيضا لكن ليس إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره، ولا رواه عامة أهل السنن المشهورة"، وأما ما ذكره ابن رجب في جامع بالعلوم والحكم ص (311 - 312) من أن الإمام أحمد وأبا عبيد قد استدلا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) وأن ذلك يدل على أن هذا اللفظ عندهما صحيح محتج به، فليس كما ذكر، إذ لو كانا يريانه صحيحًا لروياه، فهذا أحمد لم يروه في المسند، ولم أجد ما ذكره ابن رجب عنهما، ولا أظنهما صرحا بشيء من ذلك، ولو كان ذلك منهما لاعتمد عليه الأئمة وصححوه، ولعل الذي ذكراه ما يقتضي صحة هذه القاعدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه استعملها لا أنه قالها، كأن يقولا مثلًا سن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، أو يقولا إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بذلك، وهذا لا خلاف بين أهل العلم فيه فيما أحسب، وقد يصرحان بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك اختصارًا منهما لما صح عنه أنه استعمل ذلك، على أني أستبعد مثل ذلك التصريح عنهما، وأما أنهما يريان ثبوت هذا الحديث من قول النبي صلى الله عليه وسلم صراحة أعني لفظ (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ونحوه فلا، ولا أراه يثبت في حديث ابن جريج لأن ثمانية من أصحابه وفيهم الحفاظ كعبد الله بن وهب وأبي عاصم النبيل وحجاج بن محمد يروون حديثه بدون هذا اللفظ، والجماعة أولى بالصواب، لا سيما وللخطأ في رواية من قال (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) قرائن، من ذلك أن نافع بن عمر الجمحي وهو ثقة ثبت كما في التقريب رقم (7080) قد روى الحديث عن ابن أبي مليكة على ما رواه الجماعة عن ابن جريج كما تقدم، ومن ذلك أن لابن عباس حديثًا فيه ذكر البينة وهو ما رواه البخاري في صحيحه ح (2671،4747) عنه أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"البينة أو حد في ظهرك"، ومن ذلك أنه قد اشتهر عند أهل العلم من الصحابة وغيرهم (أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) انظر جامع الترمذي (3/ 626) ، ومن أشهر ذلك ما روي عن عمر في كتابه لأبي موسى أنه قال:"البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"أخرجه الدارقطني في سننه (4/ 206 - 207) ، والبيهقي في الكبرى (10/ 150، 155، 197، 253) ، من ثلاثة أوجه عن عمر وقال ابن كثير في مسند الفاروق (2/ 548) :"وهو كتاب معروف مشهور لابد للقضاة من معرفته والعمل به"، وقد دلت على هذه القاعدة الأحاديث، فكأن من روى هذا اللفظ كان مستحضرًا له في ذهنه فسبق إليه لسانه، أي أنه سلك الجادة المعهودة، وساعد في ذلك أن ابن عباس يروي حديثًا في البينة، لا سيما ولفظ حديث الباب يفهم منه ذلك المعنى، لأن مفهوم المخالفة الذي يقتضيه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث:"لو يعطى الناس بدعواهم"أن الناس لا يعطون بمجرد الدعوى أي أنه لا بد من البينة، فكأن من روى الحديث عن ابن عباس بلفظ (البينة على المدعي) لم ينتبه حين الرواية لعدم وجودها ورواها على التوهم أو بالمعنى، والله تعالى أعلم.