وقال تعالى في موضع آخر: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون} [1] . روى ابن كثير في تفسيره قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الآية:"يتلونه حق تلاوته إذا مرّ بذكر الجنة سأل الله الجنة وإذا مرّ بذكر النار تعوذ بالله من النار"أي التدبر في تلك الآيات.
كما روى قول ابن مسعود رضي الله عنه:"والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ولا يحرف الكلم عن مواضعه ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله" [2] .
وروى قول ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد اتباعه حق اتباعه، وروي عن عكرمة وعطاء ومجاهد وأبي رزين وإبراهيم النخعي نحو ذلك. ومعلوم أن الاتباع لا يكون إلا بعد الفهم والتدبر وما لا يتحقق ويتم الواجب إلا به فهو واجب.
ومن الأدلة على وجوب التدبر كذلك، قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} [3] . قال ابن القيم في ذلك:"ذمّ الله المحرفين لكتابه والأميين الذين لا يعلمون منه إلا مجرد التلاوة وهي الأماني" [4] . وقال الشوكاني: وقيل: (الأماني: التلاوة) أي: لا علم لهم إلا مجرد التلاوة دون تفهم وتدبر" [5] ."
ومن أبرز الأدلة على وجوب التدبر أن القرآن ذمّ كل من أعرض عن تدبر كتابه وتفهمه في كثير من النصوص، ومنها قوله تعالى في سياق
(1) - سورة البقرة، الآية 121.
(2) - تفسير ابن كثير، مرجع سابق، ج 1، 164. وأورده كذلك محمد بن جرير الطبري في تفسيره، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار الفكر، بيروت، 1405 هـ،، ج 1، 521.
(3) - سورة البقرة، الآية 78.
(4) - ابن القيم الجوزية، بدائع التفسير، جمع يسرى السيد محمد، دار ابن الجوزي، السعودية، 1999، ج 1، 300.
(5) - محمد بن علي الشوكاني، فتح القدير، دار الفكر، بيروت، ج 1، ص 104.