الصفحة 16 من 67

وقد نقل ابن رجب الحنبلي رحمه الله أقوال طائفة منهم في ذلك ومنه ما قاله ابن هبيرة رحمه الله:"ومن مكايد الشيطان تنفيره عباد الله من تدبر القرآن، لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول هذه مخاطرة حتى يقول الإنسان أنا لا أتكلم في القرآن تورعا" [1] . وقال الشاطبي:"فمن حيث كان القرآن معجزا أفحم الفصحاء، وأعجز البلغاء أن يأتوا بمثله، فذلك لا يخرجه عن كونه عربيا جاريا على أساليب كلام العرب، ميسرا للفهم فيه عن الله ما أمر به ونهى" [2] . ويقول ابن القيم رحمه الله:"من قال إن له تأولا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه، ففي قلبه منه حرج" [3] . ويقول الصنعاني في ذلك:"حفظ تعالى كتابه وسنة رسوله إلى يوم التناد بأن كثيرا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لا يحتاج في معناها إلى علم النحو وإلى علم الأصول بل في الأفهام والطباع والعقول ما سارع به إلى معرفة المراد منها ثم قرعها الأسماع من دون نظر إلى شيء من تلك القواعد الأصولية والأصول النحوية فإن من قرع سمعه قوله تعالى:"وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ" [4] يفهم معناه من دون أن يعرف أن ما كلمة شرط وتقدموا مجزوم بها لأنه شرطها وتجدوه مجزوم بها لأنه جزاؤه .... ولذا ترى العامة ... يسمعون القرآن فيفهمون معناه ويبكون لقوارعه وما حواه ولا يعرفون إعرابا ولا غيره مما سقناه بل ربما كان موقع ما يسمعون في قلوبهم أعظم من موقعه في قلوب من حقق قواعد الاجتهاد وبلغ غاية الذكاء والانتقاد ... فليت شعري ما الذي خص الكتاب والسنة بالمنع عن معرفة معانيها وفهم تراكيبها ومبانيها والإعراض عن"

(1) - ابن رجب الحنبلي، ذيل طبقات الحنابلة، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ،

(2) - أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات، تحقيق: عبدالله دراز، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ، ج 3، ص 346.

(3) - ابن قيم الجوزية، التبيان في أقسام القرآن، دار الفكر، دمشق، ج 1، ص 144.

(4) - سورة البقرة، الآية 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت