الصفحة 29 من 67

{بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} [1] . وفي القرآن الكريم دعوة متواصلة لتحرير عقلية الفرد مما علق بها من تقاليد وعادات وأوهام انحدرت من موروث الآباء والأجداد، أو من البيئة التي تحيط بنا منذ الطفولة في سبيل التوصل إلى العقلية الناضجة العلمية التي تبحث وتفكر وتستنبط بحرية وموضوعية.

فالعقل مطالب بالاحتكام إلى آيات القرآن الكريم وعرض الآراء البشرية على القرآن الكريم فما وافقه أخذنا به وما خالفه أعرضنا عنه. فقد تعبدنا الخالق بالقرآن الكريم ولم يتعبدنا بأقوال البشر.

ومن النتائج السلبية المترتبة على إهمال التدبر كذلك، الإنصراف والاهتمام البالغ بقراءة الكتب المختلفة، والانشغال بما جاء فيها عن كتاب الله وقد يصل الأمر حدّ إتباعها رغم مخالفتها لبعض ما جاء في كتاب الله نظرا للبعد الحاصل عن كتاب الله وعدم الرجوع أو الاحتكام إليه.

ولقد ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين نفورهم الشديد وتنفيرهم من كثرة الانشغال بالكتب وتدوين حتى أقوالهم وأرائهم، خشية الإنصراف إليها والانشغال بها عن كتاب الله عز وجل.

لقد وضع كبار الصحابة رضوان الله عليهم من أمثال عمر بن الخطاب وغيره منهجا دقيقا يرى في كتاب الله وسنة المصطفى الصحيحة غنية عن أي كتاب أو منهج. فأحاطوا القرآن الكريم بسياج منيع في سبيل الحفاظ على مبدأ الانصراف إليه وتدارسه دون غيره. وهذا ما يفسرّ لنا حملتهم على كل من حاول تدوين سنن أو أقوال في كتب ومؤلفات.

وقد ساق ابن عبد البرّ في كتابه جامع بيان العلم تحت عنوان باب ذكركراهية كتابة العلم وتخليده في الصحف جملة من أقوال الصحابة والتابعين وشدة

(1) - سورة الزخرف، الآية 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت