الصفحة 37 من 67

-التعليم الذي تقدمه المؤسسات التربوية على وجه العموم لا يبث في الفرد ملكة البحث العلمي والكشف عن السنن والقوانين التي أمر القرآن الكريم باكتسابها وتطويرها وتنميتها. قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [1]

في حين أن العرب أدركوا أهمية توجيه التلاميذ على حسب مواهبهم، وكانت عملية التوجيه هذه تبدأ بعد أن يجتاز التلميذ المرحلة الأولى للتعليم، وقد ذكر (حاجي خليفة) و (أبو يحيى الأنصاري) أن على كل صبي أن يعرف طرفًا من العلوم الضرورية في الحياة كالقراءة والكتابة والحساب، ثم عليه بعد ذلك أن يتجه إلى العلم أو الحرفة على حسب استعداده وتكوينه، إذ ليس كل فرد يصلح لتعلم العلوم يصلح لجميعها .. وإلى نفس المعنى ذهب (جابر بن حيان) ، إذ أوجب على المعلم أن يمتحن قريحة المتعلم، ويعني بالقريحة، جوهر المتعلم الذي طبع عليه ومقدار ما فيه من القبول، والإصغاء إلى الأدب إذا سمعه وقدرته على حفظ ما قد تعلمه وعلى تذكره، فإذا وجد المعلم في تلميذه قبولًا، ذا أرض زكية وجوهر ترتضع فيه المعلومات كلما ارتسمت فيه، أخذ يسقيه أوائل العلوم التي تتناسب مع قدرته على القبول وتتناسب مع سنه وخبرته، ولم يزل به يلقنه العلم أولًا، وكلما احتمل الزيادة زاده، مع امتحانه فيما قد تعلمه، فإن كان حافظًا لما كان سقاه وغير مضيع له، زاده في الشرب والتعليم، وإن وجده ينسى ويتخبل في حفظه، أنقص له المقدار، وعاتبه على ذلك، ثم امتحنه بعد ذلك ثانيًا وثالثًا فإن وجده على ما كان عليه سابقًا، هزه بالعتاب وأوجعه بالتقريع [2] ..

(1) - سورة العنكبوت، الآية 20.

(2) - زكي نجيب محفوظ، جابر بن حيان، سلسلة أعلام العرب (3) ، مكتبة مصر، 1962، ص 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت