الصفحة 43 من 67

الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُون [1] . وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} [2] . فهم قد سمعوا سمع الإدراك ولكنهم تولوا وهم معرضون، لأن في قلوبهم من دواعي التولي والإعراض ما يمنعهم عن الانتفاع بما سمعوه.

فالتخصيص ههنا لإسماع الفهم والعقل وإدراك المسموعات والتفكر فيها بالعقل والقلب. وإلا فالسمع العام بحاسة الأذن فقط، قد قامت به الحجة ولا تخصيص فيه. فالكلام له لفظ ومعنى وله نسبة إلى الآذان والقلب وتعلق بهما فسماع لفظه حظ الأذن، وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب [3] .

وأما سماع القبول والإجابة فهو ما جاء حكاية عن مؤمني الجن قولهم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [4] فهذا سماع إدراك اتصل به الإيمان والإجابة، المثمر للطاعة.

فالله سبحانه نفى عن الكفار سماع المقصود من الآيات، ذلك السماع الذي هو حظ القلب، إلا أنه أثبت لهم سماع الألفاظ الذي هو حظ الأذن وهو المشترك بين سائر المخلوقات بل إن بعض الحيوانات تتفوق على الإنسان في قوة السمع من هذه الناحية.

من هنا كان نفي القرآن السماع عمن قام بتعطيل قلبه وعقله في تفهم وإدراك المسموع. قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [5] .

(1) - سورة الروم، الآيات 52 - 53

(2) - سورة فاطر، الآية 22.

(3) - بتصرف عن ابي السعود، تفسير ابي السعود، دار إحيار التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ، ج 8، ص 2.

(4) - سورة الجن الآيات 1 - 2

(5) - سورة الأعراف: 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت