فالقرآن أسقط في الآيات عن كل من قام بتعطيل عمل العقل والقلب في تعقل المحسوسات ومنها المسموعات، صفة الإنسانية لأن الميزة التي تميز بها عن الحيوان هي التعقل والقدرة الإرادية على تحويل تلك المحسوسات إلى مدركات. فلا قيمة للحواس إذا لم تتم الإفادة منها في المعرفة العقلية.
من هنا كانت حاسة السمع متعلقة أشد التعلق بالقلب، فهي تحتاج إليه للوصول إلى الكمال ووصول العلوم إليه [1] . قال تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [2] . فالختم على القلب مدعاة لانقطاع وصول معاني الألفاظ إليه، فلا تتم مرحلة الفهم رغم سماع الأذن للألفاظ [3] .
يقول ابن القيم في هذا السياق:"السمع ثابت لهم وبه قامت الحجة عليهم ومنتف عنهم وهو سمع القلب فإنهم كانوا يسمعون القرآن من حيث السمع الحسي المشترك كالغنم التي لا تسمع إلا نعيق الراعي بها دعاء ونداء ولم يسمعوه بالروح الحقيقي الذي هو روح حاسة السمع التي هي حظ القلب فلو سمعوه من هذه الجهة: لحصلت لهم الحياة الطيبة التي منشؤها من السماع المتصل أثره بالقلب ولزال عنهم الصمم والبكم، فحصول السمع الحقيقي مبدأ لظهور آثار الحياة الطيبة التي هي أكمل أنواع الحياة في هذا العالم فإن بها يحصل غذاء القلب ويعتدل فتتم قوته وحياته وسروره ونعيمه وبهجته .." [4] .
وتتضافر النصوص القرآنية في تأكيد تلك المعاني وتنبيه العقل على أهميتها وضرورة توظيفها للوصول إلى الفهم والإدراك والانتقال منها إلى مرحلة القبول
(1) - ابن قيم، مدارج السالكين، ج 2، ص 409.
(2) - سورة الأعراف: 100.
(3) - الطبري، محمد بن جرير: تفسير الطبري، دار الفكر، بيروت، 1405 هـ، ج 7، ص 170.
(4) - ابن قيم، مدارج السالكين، ج 2، ص 411.