بيد أن هذه القدرة العقلية كغيرها من قدرات أشاد القرآن بها، كالتذكر والنظر والإبصار والحكمة والفقه وغيرها، تحتاج إلى التنمية والتطوير والتدريب على حسن الإستعمال والرعاية مدى الحياة، وإلا أصيبت بالضعف والضمور.
والآيات الواردة في القرآن الكريم، أشادت بالتدبر مبينة أنه قدرة عقلية تظهر في الربط بين المقدمات والنتائج واكتشاف الأسباب التي أدت إليها. قال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [1] . وفي موضع آخر: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [2] . كما جاء في الآية الكريمة: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِين} [3] وقال عزّ من قائل: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَاب} [4] .
وثمة مفاهيم مقاربة لمفهوم التدبر، إلا أنها تختلف عنه وتغايره في بعض الدقائق اللغوية والوظيفية. فالتعقل، التأويل، الفقه، التفكر، التذكر، النظر، الشهود، الإبصار، الحكمة، و التأمل .. مفاهيم مقاربة للتدبر إلا أنها تختلف عنه.
وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك القدرات العقلية وتباينت دلالاتها في النص القرآني ومراده منها، مما يؤكد على أنها قدرات متباينة يؤدي كل منها إلى أمر محدد، إلا أنها كلها تعد وظائف للعقل والذهن الإنساني ..
وقد دعا القرآن الكريم وحضّ على استعمال مختلف القدرات العقلية وتنميتها وإعمالها، وعاب على الذين يعطّلون تلك القدرات ويهملون استعمالها رغم أنها أهم مزايا العقل الإنساني. قال تعالى في سياق الاستنكار
(1) - سورة النساء، الآية 82.
(2) - سورة محمد، الآية 24.
(3) - سورة المؤمنون، الآية 68.
(4) - سورة ص، الآية 29.