فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 145

الغذائية لضربت المجاعة بسرعة أطنابها فيها، ومن نتائج طرق المعايش في الوقت

الحاضر نستدل على أنه كلما حول تيار الصناعة والتجارة حياة الشعوب أصبح شأن

الحكومات أقل منه في الماضي، وقد شعرت الحكومات بعجزها إزاء هذا التيار فأخذت

تتبعه غير مؤثرة فيه.

كان الملك منذ ستين سنة ذا حول وطول فاستطاع تطبيق نظام حرية المبادلة في

مملكته، وأما اليوم فلا أحد يجرؤ على محاولة ذلك؛ لأن نظام الحماية - وقد استنكره

أكثر علماء الاقتصاد - هو مما ترغب فيه شعوب هذا الوقت الذي أدت الضرورات فيه

إلى انهماك ولاة الأمور بالحال دون المستقبل.

وفي الغالب نرى أن هؤلاء الولاة يأخذهم الوهم في نتائج مداخلاتهم، فقد صرح

الموسيو (ميلين) في جلسة مجلس الشيوخ المنعقدة في 11 مارس سنة 1910 أن نظام

حرية المبادلة قضى على زراعة إنكلترة، فأوجب نقصانًا في محاصيل قمحها بلغ خمسين

في المئة في نصف قرن، مع أن نظام الحماية في فرنسا أدى إلى زيادة محاصيلها، فصارت

تصدر القمح بعد أن كانت تستورد منه مقدارًا لا يستهان به، وإننا على خلاف ما ذهب

إليه هذا العالم الاقتصادي الشهير نقول إن تلك الزيادة نشأت عن تقدم الزراعة في فرنسا

تقدمًا فنيٍّا. وإذا كان الإنكليز لم يأتوا بمثل هذا التقدم؛ فلأنهم رأوا صنع السلع وبيعها

ثم اشتراء ما يحتاجون إليه من القمح في الخارج ببعض ثمنها أفيد من اهتمامهم بأمور

الزراعة.

وسواء أمفيدًا كان نظام الحماية أم مضرٍّا فبيانه خارج عن موضوعنا، وفي عالم

السياسة الحاضر لا يبحث عن الأحسن بل عن السهل، ولم يكن أحد في هذه الأيام من

القوة والسلطان بحيث يلزم أحد البلاد تطبيق النظام الذي لا يرغب فيه، وإذا أخطأ

شعب في تقدير ذلك يقاسي نتائج خطئه، والتجربة هي التي تدله عليه في نهاية الأمر.

ومما تقدم تتبين درجة اختلاف العوامل الحاضرة عن عوامل الماضي، ونطلع على

قلة تأثير نظريات السياسة في تحول الشعوب، فمن مبتكرات العلم والصناعة وعلائق

الأمم بعضها ببعض تظهر عوامل لا بد للشعوب والملوك من الخضوع لها.

قلنا إن مقومات الحياة الاقتصادية كناية عن ضرورات لا مناص للشعوب من ملاءمتها،

والآن نضيف إلى هذه الضرورات الطبيعية ضرورات مصنوعة يأتي بها أرباب العلوم

النظرية في السياسة والحكومات:

لم يستطع علماء الحياة - على رغم تذرعهم بجميع الوسائل التي في مختبراتهم -

أن يحولوا أي نوع من ذوات الحياة، والتغيير السطحي الخفيف الذي يؤدي إليه فن تربية

الحيوان واهٍ قصير الأجل، فهل تحويل المجتمع أسهل من تحويل ذوات الحياة؟ لقد سير

الجواب الإيجابي عن هذا السؤال سياستنا، منذ أكثر من عصرولا يزال يسيرها، فإمكان

تجديد المجتمعات بسن الأنظمة الجديدة عد من البديهي عند رجال الفتن والثورات في

كل عصر، ولا سيما عند زعماء الثورة الفرنسية والاشتراكيين في زماننا، وكل يطمع في

تجديد المجتمعات حسب خطط يمليها العقل النظري.

غير أن العلم كلما تقدم ظهر فساد ذلك الاعتقاد، فالعلم باستناده إلى علم الحياة

وعلم النفس والتاريخ يثبت أن تأثيرنا في المجتمع ضئيل إلى الغاية، وأن الانقلابات

الأساسية لا تتم إلا بفعل الزمان، وأن الأنظمة ليست سوى ظرف خارجي لروح باطنية،

وأنها تشبه اللباس الذي يناسب جسمًا دون أن يقدر على تكوينه، وأن الذي يلائم شعبًا

قد لا يلائم شعبًا آخر.

لا ننكر شأن النظم والرجال في سير الحوادث، فكل صفحة من صفحات التاريخ

تدل على عظمه، وإنما يبالغ التاريخ في تقدير أهمية ذلك الشأن غير ملاحظ أن النظم

والرجال هي في الغالب عبارة عن توسع ماضٍ طويل، وأنها إذا لم تظهر في الوقت

المناسب تكون ذا عمل مخرب كعمل الفاتحين.

والقول بأن روح الشعب تتبدل بتبديل نظمه وقوانينه أصبح عقيدة، فسنحارب هذه

العقيدة في مواضع مختلفة من هذا الكتاب، وقد ظلت الأمم اللاتينية مثابرة عليها فكان

ذلك سبب ضعفها، فأوهامها في قدرة الأنظمة دفعتنا إلى إيقاد أعظم ثورة دامية عرفها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت