فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 145

الفصل الخامس

العوامل النفسية في المعارك الحربية

ما فتئت الحرب تشغل بال الشعوب والأمم على رغم تقدم الحضارة ومباحث الفلاسفة،

وإنا لنشك في أن مبتكرات العلم تجعلها في المستقبل أقل منها في الماضي، وإنما الأمر الذي

لا ريب فيه هو أن هذه المبتكرات جعلتها أكثر سفكًا للدماء، فما حوت ساحة الوغى

أناسًا كثيرين عددًا وعدةً في زمن - حتى في الأزمنة التي أخرب بها جنكيز خان واتيلا

العالم - مثل زماننا الذي نسميه عصر البخار والكهرباء.

والحادثة إذا تكرر ظهورها بانتظام مستمر تكون بنت ضرورات مهيمنة،

فالاحتجاج على قضائها وقدرها هو من العقم كالتمرد على الهرم والموت، ومن جهة

أخرى نرى تنازع الشعوب أكثر مصادر الرقي أهمية، فلولاه ما خرج أجدادنا الأولون من

طور الهمجية وأقاموا دولًا فخمة أينعت فيها العلوم والفنون والصناعة، وأية حضارة

كبيرة لم تكن مشبعة من الروح الحربية؟ وأي شعب سلمي مثَّل دورًا في التاريخ؟

غير أن الوقت الذي نبحث فيه عن منافع تنازع الشعوب الدوري ومساوئ ه لم يَحِن،

فسنكتفي بتحقيق هذا التنازع وبيان علله النفسية الكثيرة، وأهمها الغريزة الطبيعية

التي تقود الأقوياء إلى القضاء على الضعفاء. أجل، تخفف الحضارة شيئًا من صولة

تلك الغريزة، ولكن الذي لا تقدر عليه هو تقليل النفور العميق بين الشعوب المختلفة

بمزاجها النفسي.

وأكثر المنازعات نشأت عن ذلك التباين، فجميع حروب البشر الطاحنة كحروب

الفتوحات والعشائر والأديان والدعايات عبارة عن حروب بين مختلف الشعوب، وما

العراك بين الفرس والآشوريين الذي أدى أول مرة إلى نقل سيادة العالم من الساميين

إلى الآريين إلا حرب بين أمتين مختلفتين، وكذلك الحروب القديمة بين الإغريق وسكان

آسيا، وبين الرومان والجرمان وبين اليابان والروس هي حروب شعوب مختلفة أيضًا.

وليست الحروب الدينية التي اشتعلت في القرون الوسطى إلا حروبًا بين أمم متباينة؛

أي بين أمم أحبت مذهب الفردية وحرية الفكر وأمم تمسكت بمبدأ الاستبداد الديني

والسياسي، وما ينتج عنه من المبادئ في السلطة المطلقة والتقاليد والنظام القرطاسي.

هل من الحكمة أن نقول إن مبتكرات الحضارة واتصال الأمم بعضها ببعض اتصالًا

جامعًا يقدر على تخفيف ما يفرق بين الشعوب من النفور النفسي؟ سير الحوادث هو

الذي يجيب عن ذلك.

وفي زمن غير بعيد حين كانت وسائل النقل نادرة صعبة ومعرفة اللغات الأجنبية

قليلة، كانت الفروق النفسية التي تفصل بين الشعوب غير بادية للنظر، وأما اليوم

فلسهولة الانتقال واشتباك المصالح التجارية زادت العلائق بين الأمم فأخذ الاختلاف

بين أمزجتها النفسية يظهر، وبما أن أفراد الشعوب المختلفة ينظرون إلى الأمور نظرًا

متباينًا يتعذر اتفاقهم على أي موضوع، ولا يفعل استمرار العلاقات بينهم سوى زيادة

اختلافهم.

إذًا بينما تقرب المصالح الشعوب بعضها من بعض نرى روح هذه الشعوب تفصل

الواحد منها عن الآخر، وبدلًا من أن تسير الشعوب نحو الإخاء الحقيقي يسودها النفور

أكثر من ذي قبل، ولهذا النفور نتائج سياسية اجتماعية كثيرة، فبعد أن قصرت الشعوب

بالبخار والكهرباء المسافات الطويلة أخذت اليوم تفرط في التسليح وتمعن في إقامة

الحواجز الجمركية المؤدية إلى قطع العلائق وإحاطة كل قطر بسد كسد الصين، ثم

إن أكثر الشعوب يرى هذا السد غير كافٍ فأخذ يفكر في طرد الأجانب باسم النظام

العام، فبعد أن حذت أميركا حذو أستراليا فقررت إخراج الصينيين من بلادها رأت أن

تمنع دخول المهاجرين الفقراء إليها، واليوم تطالب نقابات المهن الإنكليزية بطرد العمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت