فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 145

الفصل الثالث

تطور النقابية الفوضوي

كانت النبوة في القرون الغابرة هبة شاذة تمن بها الآلهة، ولم تذكر التوراة سوى عدد

قليل من الأنبياء، فأسهبت في تعظيمهم وتقديسهم، ولا ريب في أن نمو خلق التدين

في الوقت الحاضر هو الذي يجعل أمر التنبؤ بالمستقبل عامٍّا، فقلما نصادف أناسًا لا

يستعملون قابلية التنبؤ فيهم مرات عديدة في اليوم الواحد، ولا أشير هنا إلى الاشتراكيين

الذين هم أنبياء بطبيعة الحال لتصريفهم جميع الأفعال على صيغة المستقبل بل أشير إلى

الناس جميعهم، فالناس قد تعودوا البحث طويلًا في أمور لا يعرفونها، ويصعب عليكم

أن تكلموا أي إنسان عشر دقائق من غير أن يتخلل في أثناء الحديث شيء من التنبؤ، وإذا

كان ذلك التنبؤ لا يتعلق بفرنسا أو الدول الأخرى، فإنه يتعلق بمصير جار مخاطبكم

مثلًا.

إذًا ليس لأحد أن يباهي الآخرين بأمر يزاوله الناس أجمعون في الوقت الحاضر،

وإني تبعًا للعادة العامة أجيء في بعض الأحيان بنبوءات، وهذه النبوءات تتعلق في

الغالب بمستقبل بعيد خوفًا من أن أرى عدم تحقيقها.

على أنني خاطرت بالأمر فتنبأت بأشياء تعود على المستقبل القريب، ومنها ما نشرته

في اليوم الثاني من إعدام (فيرير) في إحدى الصحف الكبيرة حيث تنبأت بأن هذا الحادث

الذي أوجب ضجيجًا في باريس لا يؤدي إلى هيجان في إسبانيا، وكذلك تحققت نبوءتي

القائلة بأن جمعية اتحاد العمال لا تلبث أن تبتلعها العناصرالفوضوية التي ضمتها إلى

نفسها برفل وغباوة، فإليك ما قاله بعد بيان ظني بسنة الموسيو (نيال) الذي استعفي

من سكرتيرية جمعية اتحاد العمال:

أدت جهودنا في عدم تسرب السياسة في المذهب النقابي إلى النتيجة الآتية،

وهي أننا ما أوصدنا الباب دون سم الاشتراكية إلا لنفتحه لسم الفوضوية،

فلقد أدخل الساسة الفوضويون الفوضوية إلى النقابية حتى صارت النقابية

والفوضوية كلمتين مترادفتين.

وقد احتاج مؤسسو المذهب النقابي إلى زمن غير يسير لإدراك تلك الحقيقة، ولربما

يدرك العمال في آخر الأمر أن الفوضوية ليست مذهبًا سياسيٍّا بل مذهبًا نفسيٍّا خاصٍّا

بأناس منحلين منحطين فيعلمون أن طريقة تخريب الآلات وحرق المصانع وقتل الجنود

من عمل المجانين الذي لا يتحسن به نصيب أحد.

والفوضويون الذين أغوتهم اندفاعاتهم لا يبالون بتحسين معايش العمال كما

تحسنت في أميركا وإنكلترة على يد نقاباتهما الرشيدة، وقد أعطى رئيس جمعية اتحاد

العمال الأميركية المستر (صموئيل غومبرس) نقابي فرنسا درسًا مفيدًا، فذكر أنه ينتسب

إلى هذه الجمعية مليونَا عامل مع أنه لا ينتسب إلى جمعية اتحاد العمال في فرنسا سوى

ثلاثمئة ألف عامل، وبين أن أولئك العمال ذوو ثروة كبيرة وأن ثلاثمئة جريدة تنطق

باسمهم.

وازدراء النقابيين في أميركا لحركات النقابيين الفرنسويين العقيمة يبدو لكل من

ينعم النظر، فهم يعدون مبادئ هؤلاء صبيانية إلى الغاية، قال المستر (غومبرس) في

خطبته»:لقد كان بيننا أيام كنا مثلكم في دور الطفولة عدد غير قليل من الشيوعيين

والفوضويين والمحتالين فكنا عاجزين عن الإتيان بأقل عمل، ثم أدركنا أن النقابية لا

يجوز أن تكون آلة تخريب وهدم بل يجب أن تكون عامل صلاح وبناء، فمن الضلال

تقويض الصناعة الوطنية بسلاح الاعتصابات الطائشة، وكأني بصعاليك فرنسا لم

يدركوا ذلك، فظلوا شديدي الاندفاع «.

وأكبر كلمة قالها رئيس جمعية اتحاد العمال في أميركا فأوجبت غيظًا شديدًا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت