الباب الخامس
أغلاط روح السياسة في مادة الاستعمار
الفصل الأول
مبادئنا الاستعمارية
سيكون النزاع الاقتصادي بين الشرق والغرب من أشد ما يهتم به البشر في القرن
العشرين، فسيؤدي حتمًا إلى تخريب وسفك دماء أكثر مما أدت إليه حروب الماضي،
ولما سيكون للمستعمرات من الشأن العظيم فيه لا يجادل في فائدة محافظتنا على
مستعمراتنا.
تقوم إدارة ما لمختلف الأمم الأوربية من المستعمرات على بضعة مبادئ معينة، ومع
أنه يجب أن تكون هذه المبادئ التي هي بنت التجربة عامة، فإنها تختلف باختلاف
الأمم، ولربما كان في القول بأن هذه المبادئ تختلف باختلاف الأمم شيء من المبالغة،
فيمكن تمييز نوعين بين دول أوربا من حيث مبادئ الاستعمار، فالنوع الأول يشتمل على
فرنسا وحدها تقريبًا. ويشتمل النوع الثاني على أكثر الأمم الأخرى.
تبني هذه الأمم لنفسها مستعمرات كي تستفيد منها، وأما نحن فلما كنا نترفع عن
مثل ذلك وكنا لا ننسى أن شأننا في العالم هو أن نحمل إلى أمم الأرض نعم الحضارة نود
أن نحكم الشعوب بأنظمتنا ومبادئنا، ومع أن تلك الأنظمة والمبادئ لم تلبث أن ردت
بالإجماع يدفعنا اعتقادنا أننا على الحق إلى الاستمرار على سيرنا حتى يثبت لنا مختلف
المصائب أن مبادئنا الاستعمارية عبارة عن أغلاط محزنة نظريٍّا وعمليٍّا.
ولقد بينت في كتابي «حضارة الهند» المبادئ التي سارت عليها إنكلترة لفتح
مستعمراتها وإدارتها، وكيف أنها دوخت الهند بمال الهند ورجال الهند ودرجة الحكمة
التي أدارت بها هذه المستعمرة العظيمة، وأنها ربما تخسرها يومًا ما لتطبيقها عليها في
الآونة الأخيرة مبدأً نفسيٍّا مختلٍّا.
وسأقتصر - لضيق المجال هنا - على البحث في المبادئ التي تسير عليها فرنسا
لإدارة بلاد الجزائر، التي هي أقرب مستعمراتنا وفي ما قد ينشأ عن تطبيقها من النتائج.
وما كتب عن الجزائر من المباحث فكثير إلى الغاية، إلا أن اثنين منها كتبهما مؤلفان
جديران بالموضوع فتجلى فيهما معدل الأفكار التي قيلت فيه، والمؤلفان هما الموسيو
(لروا بوليو) وهو من العلماء المدرسين في كلية فرنسا (كوليج دو فرانس) والموسيو
(فينيون) وهو من القناصل السابقين.
ولا أتوخى في هذا الفصل أن أبحث مفصلًا في نتائج استعمارنا في بلاد الجزائر،
بل أرى أن أبين قيمة المبادئ النفسية الأساسية التي سيرت إدارتنا والتي ستسيرها زمنًا
طويلًا على ما يظهر، إذًا أنتقد المبادئ لا الرجال الذين يطبقونها، فمقتضيات السياسة
لا النظريات هي التي تسوق ولاة الأمور، ومقتضيات السياسة هي بنت المبدأ كما هو
معلوم، وعلى ذلك فالمبدأ هو الذي تجب مؤاخذته لا الأشخاص الذين ليسوا من القدرة
بحيث يستطيعون أن يحكموا بدونه، ومن الصعب تبديل ذلك المبدأ، فإذا كان الشعب
الفرنسوي أكثر الأمم نزوعًا إلى الثورات في الظاهر فهو بالحقيقة أشدها محافظة.