فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 145

الفصل السابع

الدفاع الاجتماعي

تشاهد الفوضى والمنازعات الاجتماعية في الأمم التي تحاول أن تقطع صلاتها بالماضي

ففقدت بذلك قرار مزاجها النفسي.

نعلم أن روح الأمة تتألف من شبكة من التقاليد والمعتقدات والمشاعر العامة

والأساطير التي ثبت أمرها بفعل الوراثة، فهذه هي الروح التي تعين على شكل غير

شعوري وجهة أفكارنا واتجاه سيرنا وبفضلها تفكر الأمم تفكيرًا متماثلًا وتسير سيرًا

متشابهًا في طرق معاشها الأساسية.

ولا يستطيع المجتمع البقاء ما لم يكن ثابت الأركان بثبوت ما يقوم عليه من روح

قومية، ولا تلبث الأمة التي ظلت متبربرة حتى اكتسبت روحًا قومية أن ترجع إلى طور

الهمجية عندما تنحل هذه الروح فيها، فلما فقدت روما روحها الوطنية فقدت نفسها،

وقد احتاج الفاتحون الذين أقاموا سلطانهم على أنقاضها إلى قرون كثيرة لاكتساب روح

وطنية يخرجون بها من ظلمات التوحش.

واليوم ترانا في أحد أدوار التاريخ الخطرة حيث تزول بالتدريج المعتقدات الدينية

والسياسية والخلقية التي تتعين بها وجهة أفكارنا وسيرنا من غير أن يتكون ما يقوم

مقامها بعد، ومن الأمور الرهيبة أن تتلاشى آلهة الأمة، فإذا أمكن أن يكون قليل من

الناس لاأدريين يتعذر ذلك على الجماعات التي تحتاج على الدوام إلى مثل أعلى يفعم

قلوبها بالآمال.

نعم قد تتبدل الآلهة أحيانًا ولكنها لا تموت أبدًا، إذ لا يمر وقت قصير حتى يحل

معتقد جديد محل المعتقد الذي بلي بفعل الدهور، واليوم أوشكت تعاليم الاشتراكية

أن تقوم مقام التعاليم الدينية، وهي تستمد قوتها من قدرتها على الاتصال بسهولة

بالمعتقدات الموروثة، فالحكومة المهيمنة من مظاهر الآلهة القديمة التي كان يؤمن بها

روح السياسة

أجدادنا، وإلا فهل من فرق بين الجنة التي يحلم بها الاشتراكيون وبين الجنة التي ورد

ذكرها في أساطير الأولين؟

لا فرق بين الجنتين، فالأمم المؤثلة لا تكون ذات معتقدات غير التي ورثتها وإن

اختلفت أسماء هذه المعتقدات، والمشاعر التي اقتضى ثباتها في النفوس أجيالًا كثيرة لا

تزول فجأة.

لتلك العلة نرى الديانة الاشتراكية التي هي وارثة الديانة النصرانية تدخل في نفوس

الجماعات وتملأ قلوب البسطاء بما لا تمنحهم إياه الآلهة الشائخة من أمل وما لا يقول

به العلم من وهم وخيال.

ويحمل رسل الاشتراكية حقدًا شديدًا على المذاهب القديمة، فرجال الإكليروس

والاشتراكيون والفوضويون ... إلخ مظاهر متقاربة لمنزع واحد، وترزح روحهم تحت

أثقال أوهام متماثلة، وهم لما بين مزاجهم النفسي من وحدة يعبدون موجودات واحدة

أو يقضون حاجات واحدة بوسائل قليلة الاختلاف.

ولو كان ناشرو الديانة الاشتراكية يكتفون بنشر تعاليمهم سلميٍّا لما كانوا شديدي

الخطر، ولكن ما العمل وهم يشاطرون جميع الرسل أسلوبهم في إكراه الناس بالقوة

على اعتناق مثلهم الأعلى الذي يعتقدون أنه سيجدد البشر.

والحقد الذي يوحي به المجتمع إلى النفوس التي استحوذ عليها خلق التدين الموروث

ينتشر بين العمال بسرعة، ومع أن هؤلاء هم اليوم أسعد حظٍّا منهم في الماضي يصبون

اللعنات على النظام الحاضر كما كان يصبها النصارى الأولون على العالم القديم الذي

قضوا عليه في آخر الأمر.

ومع ما في الهجوم على المجتمع من شدة نرى الدفاع عنه ضعيفًا كالدفاع الذي دافع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت