فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 145

به عبدة الأصنام ضد الديانة المسيحية أيام انتشارها، فاليوم لا يعتقد الخواص - كما

كانوا لا يعتقدون وقتئذ - متانة المبادئ القائم عليها نظام المجتمع، وهم لضجرهم من

المؤثرات الموروثة ومن مقتضيات الزمن الحاضر يظهرون بمظهر المجرد من عزم قوي

والمهيأ للعمل بآراء العامة، ولما كانت هذه الآراء متحولة إلى الغاية تحدث أقل الحوادث

فيها انفجارات سخط وغضب وحماسة.

وبما أن أولياء الأمور لا يتصفون بمبادئ تحول دون تذبذبهم النفسي وليس لديهم

مصباح يتخذونه دليلًا على سيرهم يسيرون وراء الجماعات بدلًا من أن يسيِّروها، وهكذا

يفقد خواص الأمة نفوذهم بالتدريج حتى لا يبقى لهم منه شيء.

والذي ينشر المبادئ المعبرة عن غرائز العوام والتي ترمي إلى خراب المجتمع هم

أشباه المجانين الذين ننعتهم بالزعماء والرسل، فهؤلاء على العموم قليلو العقل ولكنهم

كثيرو العناد مستعدون للتضحية بمنافعهم الشخصية في سبيل نصر المبدأ الأسمى الذي

ران على قلوبهم، وهم لو عدهم الجموع جنات ساطعة ذوو تأثير كبير في روحها،

فالجنات هي الأمل والأمل أكبر باعث للحركة على الدوام.

والرسل لما نومتهم خيالاتهم ينومون الجماعات ويدفعونها إلى اقتحام جميع

المصاعب بسرعة، ولم يتغير مزاج الجماعات النفسي في غضون القرون، فالذكاء وإن قدر

على التحول لا يقدر على تبديل المشاعر والأهواء التي هي أدلاء الناس الحقيقية.

ومن بواعث الحزن أن الرسل لا يفلهم غير الرسل، وأن رسل الفوضى كثيرون مع

أن رسل النظام قليلو العدد، فالوهم يستهوي الأفئدة، وأما الحقائق الباردة فلا توقد

نار الحمية في أحد، ثم إن بذر الأوهام في النفوس أسهل من بذر الحقائق فيها، فإذا قلتم

للعمال إن رب العمل سارق جدير بأن يحرق مصنعه فسرعان ما يصدقونكم، ولكن إذا

بيَّنتم لهم أنه مُكرَه على خفض الأجور لأن أبناء النوع الأصفر في آسيا يصنعون مثل

منتجاتكم بثمن أرخص منها لا يسمعون.

فالأوهام هي التي قلبت العالم حتى الآن، وقد زال كثير من الدول العظيمة بفعل

بعض المبادئ العاطفية التي تبدو لنا اليوم تامة البطلان، فلا نأمل أن يكون للعقل في

المستقبل شأن أكبر من شأنه في الماضي، ولنهيئ نفوسنا لمعاناة سلطان الأوهام القاهر،

فالأوهام بعد أن ترسخ في النفوس شيئًا فشيئًا يستمر رسوخها زمنًا طويلًا ولا أحد

يقدر على التنبؤ بمدى تخريبها.

بينت في فصل سابق أن مظالم الثورة الفرنسوية نشأت عن بعض المبادئ الفلسفية التي

جعلت الشعب يعتبر غريزة البربرية الأولى الراقدة في أعماق قلوب أفراده أساسًا لحقوق

جديدة، وقد ظن الناس في أيامها أنهم يسيرون بنور العقل مع أن الواقع يدل على أنهم

حاربوا العقل وأن غرائزهم الموروثة لما تحررت من كل رادع أصبحت دليلًا لهم، وإنا

لنعد دور الهول عنوانًا لأحط الغرائز، فالهول كناية عن هيمنة الغريزي على العقلي لا

عبارة عن سيطرة العقلي كما تصور رجاله ومؤرخوه.

ولم يكن الانتصار على الغرائز الموروثة إلا حديث العهد في التاريخ، فما كانت مساعي

المجتمعات إلا لردع الغرائز الطبيعية الحيوانية بقوة التقاليد والعادات والقوانين، ومن

الممكن أن نسيطر على هذه الغرائز ولكن من غير أن نقضي عليها، ومن السهل أن تظهر

ثانية بفعل بعض المحرضات كالاشتراكية مثلًا.

حقٍّا ليست حركات الشعب الكبيرة بنت العقل بل هي في الغالب عبارة عن نضال

ضد العقل. ومن يحاول أن يوضح بالمنطق العقلي ما صدر عن منطق الغرائز يحكم

على نفسه بأن لا تفقه شيئًا من التاريخ، وما كانت الحركة الثورية في الوقت الحاضر

سوى عودة إلى حكم الغرائز الوحشية التي تميل إلى تقويض دعائم المجتمع، فما عده

ذوو النفوس التي أعمتها الأوهام من الرقي إن هو إلا رجوع إلى طرق المعايش المنحطة.

وتستلزم كل حضارة شيئًا من الضغط والقسر، ولا تكون الأمة متمدنة إلا إذا علمت

كيف تتحمل هذا الضغط والقسر، فلولا الروادع الاجتماعية القوية لما خرجت الأمم من

طور الهمجية، وهي تعود إلى ذلك الطور عندما تضعف تلك الروادع.

ولا تبقى الروابط الاجتماعية التي هي وليدة الحضارة إلا بجهد مستمر، ومن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت