العقل يخلق العلم، والمشاعر والمعتقدات تقود التاريخ.
المؤلف
الباب الأول
المقصد والطريقة
الفصل الأول
روح السياسة
من مظاهر تقدم العلم في الوقت الحاضرعدول العلماء عن الشروح البسيطة التي كانوا
يكتفون بها. وما لاح لهم أنهم أدركوا حقيقته في الماضي أخذت صعوبته تبدو لهم في هذه
الأيام. هذا أمر عام لم تشذ عنه المباحث في تحول حياة الشعوب، فقد أبصر المؤرخون
الآن أن الأوهام في الغالب هي التي استحوذت عليهم في مباحثهم، وإن كانوا قد زعموا
فيما مضى أنهم شرحوا الحوادث شرحًا صادقًا.
اليوم نرى الحادثات الاجتماعية كثيرة التعقيد وثيقة الارتباط بعيدة جدٍّا من
البساطة والسهولة مماثلة لحوادث الحياة الجثمانية، فيجب على العالم الذي يكدح في
البحث عن النواميس التي تتحول بها الأنواع، وتتكيف أن يبحث أيضًا عن سنن النشوء
الاجتماعي التي لم يعلم منها سوى القليل.
وبما أن البحث في عناصر المجتمع لم يتجاوز دائرة المزاعم الباطلة ظل الاطلاع
على حقيقة الأمور ناقصًا، ولا يعبأ أصحاب العلوم النظرية بغير ما يستوقف النظر في
مقادير حياة الأمم. فترى غاية التاريخ عندهم البحث في أعمال الملوك وحروبهم فقط.
وقد استمر تجاهلهم حياة الشعوب والاستخفاف بها حتى الزمن الأخير.
لا يكتفي العلم الحديث بأجوبة علماء الماضي المختصرة عن الأسئلة التي تمس
حياة الشعوب السياسية، ومنها: لماذا ظهرت شعوب كثيرة بغتة فملأت العالم ضوضاء
وعظمةً؟ ولماذا أفل نجم هذه الشعوب بعد تلك العظمة فانقطعت أخبارها عدة أحقاب؟
وكيف تظهر الآلهة والنظم واللغات وتتحول ثم تموت؟ وهل تؤثر هذه العوامل في
المجتمعات أم هي التي تؤثر فيها؟ ولماذا انتشرت بعض الديانات كالإسلام فجأة مع أن
أمر ديانات أخرى لم يتم إلا في كثير من القرون؟ ولماذا عاش الإسلام بعد أن توارى
سلطانه السياسي مع أن أديانًا أخرى كالنصرانية والبوذية أوشكت أن تغيب؟ لا تفوتنا
الإجابة عن مثل هذه الأسئلة، غير أن ما يكتفي به العلم في دور حداثته من الشروح لا
يرضى به في دور كهولته.
مضى العصر الذي تقود فيه الآلهة التاريخ وانقضى، وقد أفل كوكب القدرة الصمدانية
اللطيفة التي كانت تسيرنا فصار الإنسان وحبله على غاربه مكرهًا على الاهتمام بمصيره
بين قوى مجهولة تحيط به. وما فتئت تلك القوى تهيمن عليه وإن أخذ يتدرج إلى
التسلط عليها. ونعبر عن هذا التسلط المتصل بكلمة التقدم.
ولا يكفي أن يسيطر الإنسان على الطبيعة؛ فلكي يعيش في المجتمع يجب أن يعرف
كيف يردع نفسه ويخضع للقوانين العامة. ومن واجبات قادة الشعوب أن يملوا على
الناس هذه القوانين ويلزموهم طاعتها.
إن معرفة أساليب الحكم - أي معرفة روح السياسة - من أصعب المسائل في
جميع الأزمنة ولا سيما في الزمن الحاضر حيث ثقُلت على الأمة وطأة مقتضيات الاقتصاد
الناشئة عن مبتكرات العلوم والصنائع وأصبح لا تأثير للحكومات فيها. والحوادث تلجئنا