فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 145

الباب الثالث

الحكومة الشعبية

الفصل الأول

صفوة الرجال والجماعات

يواجه العالم في الوقت الحاضر مسألة نمت بتعاقب القرون، ومن الضروري حلها لكيلا

تقع الشعوب في طور الهمجية.

إن من مميزات الحضارة في زماننا هو التفاوت التدريجي بين أنواع الذكاء، ومن

ثم بين المراتب الاجتماعية، وعلى رغم ما يقال في المساواة من النظريات وما تميل إليه

القوانين من المقاصد يزيد التفاوت الذهني المذكور، وعلة ذلك اشتقاقه من مقتضيات

الطبيعة المحررة من سلطان القوانين.

أصبحت مبتكرات العلم والفن محركة المدنيات الحديثة، وصار الوقوف على هذه

المبتكرات المعقدة يتطلب معارف نظرية وعملية واسعة وقوة استنباط شديدة وملكة

تمييز سديدة لا تكون إلا في ذوي المبادئ السامية، وبالنسبة إلى تكاثر كفاءة القادة

نقصت أهلية الفعلة، ومبدأ توزيع العمل وإتقان الآلات جعل شأن الفاعل سهلًا والتخرج

لا طائل تحته.

وعلى الوجه المذكور تألفت طبقات متباينة فصلت بينها هوة تزيد كل يوم عمقًا،

وقلما تجعل التربية المرء يجتاز تلك الهوة، فالتربية لا تمنح الرجل سوى قليل من

الصفات الضرورية للنجاح في الوقت الحاضر.

ومما يغيظ أنصار المساواة بلوغ صفوة الرجال شأنًا لا غنية لبقية الناس عنه،

ولكن لا مناص من ذلك، فأنعموا النظر في عناصر الحضارة ترَوا صفوة الرجال مصدر

مبتكرات العلوم والفنون والصناعات، ومنبع رفاهية ملايين من العمال، فإذا كان العامل

يكسب اليوم ثلاثة أضعاف ما كان يكسبه منذ قرن ويتمتع بأطايب لا عهد لأمراء لويس

الرابع عشر الإقطاعيين بمثلها فذلك بفضل خيرة الرجال الذين يشتغلون له أكثر مما

لأنفسهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت