فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 145

الفصل السادس

تفاقم الاستبداد

من مميزات الوقت الحاضر تطور الاشتراكية والنقابية على شكل استبدادي، وقد أوردت

إحدى الصحف الكبيرة المثال الآتي من بين ألوف الأمثلة المتشابهة وهو:

أن حدث في) سيت (مظهر من مظاهر الاستبداد النقابي المستكره،

النقابة جعلت اثني عشر عاملًا في حال لا يقدرون بها على كسب عيشهم، وما

هو ذنبهم؟ ذنبهم استمرارهم على عملهم في أثناء الاعتصاب الجديد الذي لم

يستحسنوا وقوعه.

ولم يوجب الاستبداد النقابي خرابًا وإتلافًا في مكان إيجابه في مدينة

(سيت) المنهوكة بالأزمة الاقتصادية التي وقعت منذ زمن قليل، ولم يألُ عمال

هذه المدينة جهدًا في تقويض ما بقي من حياتها بما يأتون به من رغبات

مفرطة واعتصابات مستمرة، فالفقر فيها يزيد، وكذلك الشقاء. وقد بلغت من

البؤس مبلغًا أصبحت فيه لا ترى أكثر من باخرة واحدة تقصدها من وقت

إلى آخر مع أنها تعد مرفأنا الثاني على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

ولا يقع ذلك في مدينة (سيت) وحدها بل في جميع أنحاء فرنسا، فبعد أن كان

حدوثه أمرًا شاذٍّا أصبح قاعدة، ولهذا أسباب بعيدة:

أعلن خطباؤنا السياسيون منذ بدء الثورة الفرنسوية حتى اليوم حقدهم على

الاستبداد، وحبهم للحرية مع أن تاريخ هذا الدور يدلنا على مقت الناس للحرية وشوقهم

إلى الاستبداد، ولم نتغير منذ عهد لويس الرابع عشر، فالدولة كانت في عهده تضطهد

البروتستان وأنصار (جانسينيوس) ، فصارت اليوم تجور على من لم يفكر مثلها سالبة

أمواله.

إن جميع الأحزاب في فرنسا مشبعة من الميل إلى القهر وعدم التسامح، وأول ما

يتعلمه الأولاد في البلاد هو كما بين (فاغيه) ازدراء طبقات من الأمة والحقد عليهم،

وليست الهمة التي يبذلها معلمو المدارس لإدخال هذه المشاعر إلى نفوس العامة بشيء

مجهول.

ولما كان الشوق إلى الاستبداد، ومقت التساهل من المشاعر التي يبديها مختلف

الطبقات في الأمة وجب احتمالها ومكابدة وطأتهما، وقد تذرع الإشراف والملوك بالاستبداد

فجاء أبناء الطبقة الوسطى وتذرعوا به أيضًا واليوم تتعاطاه صنوف العوام، ومن

الطبيعي أن يمازج تعاطي هذه الصنوف له ما تتصف به من العنف والقسوة، ثم إن

القسوة لا تغيظ الاشتراكيين، فهم لا يفتأون يتملقون سادتهم كأرقاء الزنوج الذين كانوا

يتملقون ملوكهم.

يُصغَى باحترام إلى المقررات التي يضعها بعض الزعماء في الحانات، وتطاع

بخضوع وبما أن الزعماء والجموع التي تتبعهم شديدو الاندفاع لا يسهل إرضاؤهم، ولو

بالركوع أمامهم على الدوام، فالنفوس الساذجة لا تعرف الحيف والعقيم والمستحيل،

ولا معدل عن مكابدة أوطار الجموع التي يعبر عنها عبادها لتألف أغلبية الأمة من

الجموع، وبتأثير الجموع يسن برلماننا أكثر القوانين تناقضًا، ويجحد التقاليد ويستخف

بمقتضيات الاقتصاد، ويناهض نواميس الطبيعة ولا يذعن إلا لمنافع الساعة الراهنة

واندفاعاتها.

وتلك الاندفاعات هي عنوان عزائم النقابيين والشيوعيين الثوريين، ونرى بين أعظم

الزعماء تأثيرًا رؤساء جمعية اتحاد العمال، فعلى ما في نفسيتهم من الانحطاط أضعفت

سلطتهم المطلقة سلطة زعماء الاشتراكيين، وقد أبان الموسيو (ديشانيل) حقيقة تلك

النفسية في خطبة جاء فيها:

أولئك الزعماء قيصريون أريستوقراطيون متدينون، هم قيصريون لازدرائهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت