وكيف لا يزال النظام النيابي عائشًا على رغم مقت كثير من طبقات الأمة له؟ يظل
باقيًا لأنه النظام الوحيد الممكن عند الأمم المتمدنة، فلقد اعتنقته جميعها سواء أملك كان
على رأسها كما في إنكلترة وبلجيكا وإيطاليا، أم رئيس منتخب كما في فرنسا وأميركا،
والبرلمان في هذه البلاد هو الذي يشترع والوزراء هم الذين يحكمون، وفي الأيام الأخيرة
اضطرت دولتا روسيا وتركيا المطلقتان إلى قبول النظام النيابي عندما رأتا أنه لا مناص
منه.
وعندما يصبح أحد النظم أمرًا لا مفر منه يكون من الصواب قبوله مع السعي
في تعديله، والنظام النيابي يعدل بوضع طريقة في الانتخاب تمنح النواب شيئًا من
الاستقلال إزاء ناخبيهم، ويعدل بالتدابير التي يقتضي اتخاذها ضد جيش الموظفين كما
ذكرت سابقًا، فمتى أصبح الموظفون كناية عن مساعدين لم تتعهد الحكومة لهم بشيء
عند توظيفهم عدوا أنفسهم عمالًا سهلًا تبديلهم ولم يجرؤوا على الظهور بمظهر السادة
المتجبرين، ويعدل بعزم ولاة الأمور على إبداء شيء من الحزم والنشاط وبعدم محالفتهم
الغوغاء، وكيف لم يكتشف أصحاب الأمر والنهي بعد كثير من التجارب المكررة أن
ضعفهم المستمر وعفوهم الدائم لا يفعلان سوى زيادة جيش العصاة المتمردين الذي
يستبيح الحرق والتخريب؟
وكلما زاد الصفح والعفو زادت الفتن، فسلوك الحكومة سبيل الصفح من البواعث
الرئيسة في اشتعال نار الفتنة سنة 1907 في مديريتين من مديريات الجنوب وتمرد
إحدى الفرق، وفي عصيان (درافي) سنة 1908، وفي اعتصاب موظفي البريد ورجال
البحرية والاعتصابات الثورية في (ميرو) و (مازاره) ، واقتراف أنواع الهدم والتخريب
واستعمال الديناميت لإغراق السفن سنة 1909، وفي اعتصاب بحارة مرسيليا الجديد
سنة 1910 ... إلخ.
وضعف كالذي يبديه قادتنا لا يدوم طويلًا، فإذا عظم أمر الفوضى، واستمر حزب
النظام في ضعفه خرجت الفوضى ظافرة.