فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 145

والعالم يحلم اليوم بإقامة نظام شعبي مطلق ضد النظام اليعقوبي، وهو قانع

بأن الصعاليك سيحققون ما لم يقدر على تحقيقه أبناء الطبقة الوسطى من سعادة

عامة، وقد شعر الاشتراكيون ببغضاء العمال للجميع، فحاولوا أن يتقوا شرهذه البغضاء

بضروب المصانعة والتملق، ولكن ما لحقهم من الفشل جعلهم لا يجرؤون على الاشتراك

في مؤتمر العمال، وإذا وقع أن اشتركوا فيها فليستقبلوا بأسوأ وجه.

وكذلك أرباب رؤوس الأموال والصناعات - أي منتجو ثروتنا الحقيقيون - لا يعطفون

على أولي الأمر، وعلة ذلك لا لأن هؤلاء لا يحمون أولئك ضد تعدي العمال وحرقهم

المصانع وإتيانهم بأنواع القسوة والعنف، بل لأنهم يقيدون صناعاتهم كل يوم بمختلف

القوانين الاجتماعية الجائرة ريثما يستطيعون القضاء على ثروتهم بما يفرضونه عليها

من الضرائب الظالمة.

وقد يذهب بعضهم إلى عدم وجوب مداراة أولئك الأرباب، قال الموسيو (بيار پودان)

في كتابه» السياسة الحقيقية»: «لا تحتاج المجتمعات إلى صفوة الناس بعد الآن، «فكلام

مثل هذا لا يلائم سوى الظواهر، وأما الحقيقة فهي أن المجتمعات لم تحتج إلى الخواص

احتياجها إليهم في هذه الأيام، وسوف يعظم شأنهم، فلولاهم لما قامت للعلم والصناعة

وأي رقي مادي قائمة، ولاستفحل أمر النظام الاشتراكي المنحط المؤدي إلى مساواة الناس

في البؤس والاستعباد.

إذًا للنظام النيابي مبغضون كثيرون، فجميع الطبقات تكرهه حاشا الطبقة الوسطى

التي لا تبالي به ولا بغيره، وإليك ما قاله الموسيو (دورياك) الذي استشهدت بأقواله غير

مرة»:لا تبالي الطبقة الوسطى الفرنسوية المؤلفة من مختلف العناصر والتي ضعضعتها

الثورات بأي نظام حكومي، أي إنها ليست ملكية ولا إمبراطورية ولا جمهورية، فهي

تصوت للنظام الجمهوري؛ لأن الجمهورية قائمة، وهي تعاضد كل من يمنحها السلامة

«. والطمأنينة، فإذا سقط المنعم عليها لا تنظر إليه لعجزه بعد ذلك عن خدمتها

ومن أشد العوامل في مقت النظام النيابي الاستبداد الذي يقوم به نواب الأقاليم ضد

أبناء البلاد الذين لا ينتمون إلى حزبهم، وقد أعرب الموسيو (لوبه) - الذي كان نائبًا

قبل أن يصير رئيسًا للجمهورية - عن ذلك في ملاحظات نشرتها جريدة (الجورنال)

وإليكها:

كيف تريدون أن نحافظ على الطريقة القائلة بأن تنتخب كل دائرة نائبًا

واحدًا عنها، والطريقة المذكورة ذات عيوب لا تخفى على كل ذي بصيرة؟ لا

يعلم سكان باريس درجة الانحلال الذي أوجبته هذه الطريقة في أخلاق أبناء

الأقاليم والضغط الذي أدت إليه، فشعار كل مرشح في الأقاليم هو أن الذي

لم ينتخبه عدوه، والمرشح الذي ينجح في الانتخابات لا يهتم بسقوط البرد

على كروم خصومه وموت مواشيهم، بل يسعى في منح نُصَّاره تعويضًا عما

لحقهم من ضرر وأذى شامتًا بخصومه الذين يرى في عدم تعويضهم بشيء

جزاءً لهم على إعراضهم عنه أيام الانتخابات، وفي بلاد مركزية كفرنسا تدوم

مثل هذه الأخلاق زمنًا كبيرًا، ولكن غريزة العدل النامية فينا لا تظل ساكنة،

بل تثور في آخر الأمر، فيا ويل من يحرك مشاعر الحق في فرنسا.

وقد آل الأمر بذوي البصائر إلى الحكم على مجلس النواب حكمًا قاسيًا، يدلنا على

ذلك البيان الذي نشره أشهر رجال المجمع العلمي وكلية الصوربون ونقابة المحامين

ونذكر منهم: كارنو وبوشار وكروازه وداستر وبنلفيه وهارمان وديهل وفرنان فور،

فقد جاء فيه أن الطريقة القائلة بأن تنتخب كل دائرة نائبًا واحدًا عنها جعلت عاداتنا

الانتخابية والسياسية أمرًا لا يطاق، وأدت إلى الإجحاف في سير الإدارة وتطبيق القوانين

وأحلت المحسوبية محل الحق والإنصاف، ونشرت الفوضى في دواوين الدولة وأوجبت

عجزًا في الميزانية العامة، فقد حان الوقت الذي يجب فيه أن يحرر النواب من ربقة

الاستعباد المكرهة إياهم على مداراة الشهوات في سبيل كراسيهم، وقد حل الزمن الذي

يقتضيرأن يتصف فيه النظام النيابي بشيء من الكرامة والأخلاق، وأن يقوم النضال عن

المبادئ مقام المنافسات الشخصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت