الفصل الثاني
مقتضيات الاقتصاد ونظريات السياسة
تأثير الصور والخيالات التي تحدثها الأخبار في النفس ضئيل جدٍّا، والإنسان لا يستطيع
أن يتصور الأمور المجردة كما يجب إلا إذا قاسها على ما أحسه بنفسه من الأمور قبلًا.
فمن شاهد معركة أو غرقًا تؤثر فيه أخبار المعارك والغرقى كلما سمع بها.
والاستدلال على الماضي بالحال تجلى لي يوم ساقتني مصادفات السياحة إلى اجتيازي
بالسيارة جسرالنهر الذي يفصل مدينة (هوي) البلجيكية إلى شطرين، فالضباب الكثيف
الذي كان يغشى هذه المدينة اضطرني إلى الوقوف، فنزلت من السيارة وتوكأت على حاجز
الجسر، وفي أثناء ذلك كنت أبصرمن خلال الضباب أثرًا من المدينة ثم بدد شعاع الشمس
هذا الضباب فبدا لي عالمان - وإن شئت فقل مظهرين متقابلين من مظاهر العمران
البشري - شطرهما النهر، وما كنت لأحتاج إلى إعمال الفكر كي أرى أول وهلة أن
أحدهما يتوعد الآخر، وأنه لا يرجى التوفيق بينهما لشدة تباينهما، فعلى الضفة اليسرى
مبانٍ قديمة يشرف عليها قصر فخم متين وكتدرائية جليلة زينتها الأجيال والقرون، وعلى
الضفة اليمنى جدران مصنع واسع لصنع الآجُرِّ وتعلوه مداخن طويلة تقذف دخانًا
أسود ذا لهيب، ويخرج في أوقات معينة من أحد أبوابه رجال غلاظ ذوو عيون غائرة
ووجوه متكرشة تتفصد عرقًا. فهؤلاء الناس - وهم أحفاد أجداد استعبدتهم الآلهة
والملوك - لم يغيروا سادتهم إلا ليكونوا عبادًا للحديد.
يخضع ذانك العالمان لعوامل متباينة تباين الآمال التي تبذرها في النفوس، فالأول
وهو عالم الماضي لا نزال نعاني عزائمه على رغم موته، والثاني هو عالم الحال حافل
بالأسرار لما يحمل بين ثناياه من مستقبل مجهول، ولقد وجد الحال والماضي في كل زمان،
وبينهما هوة يملؤها إيمان مشترك ومشاعر متجانسة، وقد غابت المشاعر وزال الإيمان في
هذه الأيام، فلم يبق غير البغضاء المتأصلة بين الغني والفقير، ولما تدرج العمال في زماننا
روح السياسة
إلى التحرر من ربقة المعتقدات، وروابط الماضي الاجتماعية أخذوا يصيرون أكثر تجبرًا
من ذي قبل مهددين الحضارة باستبدادهم الجامع الذي سوف يجعل الناس يأسفون
على استبداد أقسى الجبابرة، وهم الآن يملون أوامرهم على المشترعين كما يملي السيد أمره
على أجيره ولا يقابلهم هؤلاء المشترعون إلا بتملقهم ومداراة أهوائهم، وهكذا نرى قوة
العدد تحل الآن محل الذكاء أكثر منها فيما سلف.
إن الحياة السياسية عبارة عن توفيق المرء بين مشاعره وبين البيئة التي تكتنفه، وتحول
طبيعة الإنسان ببطء يجعل هذه المشاعر قليلة التحول مع أن البيئة الحديثة تتحول
بسرعة تابعة تقدم العلم والصناعة المستمر، ولما أخذت البيئة تتحول مسرعة على هذا
الوجه صعبت ملاءمتها، فنشأ عن ذلك ما نشاهده اليوم من الارتباك والتذبذب.
يختلف الزمن الحديث عن الزمن القديم بأفكاره وطرق معايشه، فلا تشتق
مقومات الحياة الجديدة التي تقودنا من البراهين العقلية المجردة، ولا تتكيف حسب
آمالنا ومبادئنا المنطقية بل هي نتيجة مقتضيات الزمن التي نعانيها دون أن يكون لنا
شأن في تكوينها، ولا يختلف الزمن الحالي عن الماضي بما فيه من المزاحمة والتنازع،
فالحرص الثابت الذي لا يتغير هو مصدر المزاحمة والتنازع، وإنما يختلفان باختلاف
عوامل تحول الشعوب، وإليك البيان:
يتصف هذا الوقت بحلول سلطان العوامل الاقتصادية فيه محل سلطان الملوك
والقوانين، ثم بتبادل المنافع بين الشعوب التي كان بعضها منفصلًا عن البعض الآخر.
لتبادل المنافع الحديث أهمية كبيرة، فالأمم التي كانت لا تربطها في الماضي روابط
التجارة لا تقدر اليوم على العيش من غير أن تتعاون، فلو أحيطت إنكلترة بسور عالٍ
وزال اتصالها بالعالم الخارجي حيث تقايض بمصنوعاتها ما تحتاج إليه من المواد