فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 145

الباب الرابع

الأوهام الاشتراكية والأوهام النقابية

الفصل الأول

الأوهام الاشتراكية

يجب أن يفرق بين الاشتراكية التي نماري في مذاهبها، وبين حركة التضامن الاجتماعي

التي نرى انتشارها في كل مكان، فحركة التضامن الاجتماعي ليست وليدة نظريات

الاشتراكية، بل إن انتصار هذه النظريات يعوق سيرها.

إذًا لا نكون بمناهضتنا نظريات الاشتراكية مقاومين لحركة التضامن الاجتماعي

التي لا يدور في خلد أحد أن يحول دونها، فتقدم طبقات العمال مادة ومعنى من المسائل

التي تهم جميع الناس، والدليل على ذلك ارتياح الكل لمشروعات التأمين ضد مصائب

العمل وإنشاء بيوت للعمال ومنح العمال رواتب تقاعد وتعليم العمال والاعتناء بصحتهم

وفتح اعتمادات مالية للمزارعين وتنظيم أمور التعويض ... إلخ.

للاشتراكية مذاهب مختلفة لا يصل بينها سوى الحقد الشديد على النظام الحاضر،

ويظهر أن الاشتراكية الحكومية ستحل محل تلك المذاهب، فهي ذات صوت مسموع في

البرلمان وتملي عليه كثيرًا من مقرراته، على أن نجاحها لا يستمر طويلًا، فقد أخذ ينتشر

بين العمال في ألمانيا وفرنسا وبلدان أخرى مذهب جديد اسمه المذهب النقابي، فهذا

المذهب يحول قلوبهم عن الاشتراكية الحكومية.

نرى بين المذهبين فرقًا واضحًا، ولا يكتم أنصار المذهب النقابي هذا الفرق مع أن

الاشتراكيين الحكوميين يخفونه لعلمهم مناقضته لنظريات هم ولشعورهم بتحول روح

الشعب عنهم، وعلى ما يبدونه من التذلل للنقابيين لا يفتأ هؤلاء يذكرون في الجرائد

والمؤتمرات الفوارق التي يبتعدون بها عن أولئك، ففي مؤتمر (أميان) الذي اشترك فيه

أربعمئة ممثل لألف نقابة «اقترح أن تكون النقابات على صلة بالحزب الاشتراكي، فرفض

ذلك بما يقرب من الإجماع.»

ويهتم النقابيون ببيان ما في الاشتراكية الحكومية من الأوهام والخيالات، ففي مؤتمر

سنة 1907 خاطب أحد أعضاء المذهب النقابي النافذين رئيسًا من رؤساء الاشتراكيين في

مبادئكم وهمية لأنها تعزو إلى قوة الحكومة القاهرة ما ليس فيها من: «فرنسا بما يأتي

قدرة على الخلق والتكوين، فأنتم لن تستطيعوا إحداث مجتمع جديد، ولن تقدروا على

منح العمال أهلية يديرون بها أمور الإنتاج والمقايضة. نعم ستصبحون سادة حينًا من

الزمن، وستقبضون على السلطة التي هي في أيدي أبناء الطبقة الوسطى وستكثرون من

وضع المراسيم ولكنكم سوف لا تأتون بالمعجزات، فتجعلون العمال مستعدين للقيام

مقام أرباب رؤوس الأموال، قولوا لنا كيف يوجب قبض بضعة رجال على أمور الدولة

تغيير مزاج الجموع النفسي وتبديل المشاعر، وزيادة القابليات وإبداع قواعد جديدة

للحياة»؟

ولم يقع انفصال النقابيين عن الاشتراكيين الحكوميين في فرنسا وحدها، بل وقع في

ألمانيا أيضًا، ففي مؤتمر (مانهايم) الذي عقد سنة 1906 رأى الاشتراكي (بيبل) وحزبه

أنفسهم أمام رجال من أنصار المذهب النقابي، فاضطر (بيبل) - للمحافظة على نفوذه

-إلى الإذعان للمطاليب النقابية على رغم تصريحاته السابقة.

والنقابيون يرفضون محالفة الاشتراكية، فقد كتب أحدهم «أن الاشتراكية تسعى

في توسيع نطاق النظم الإدارية، فهي مبدأ ضجر وضعف يود أن يحمل الحكومة على

القيام مقام الأفراد في العمل، وهي وليدة شعوب شائخة تنحط اقتصاديٍّا.»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت