فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 145

الشركات؟ وماذا يكون شرف الدولة إذا أنكرت العقود التي عقدتها باسم

البلاد بعد توقيعها؟

وبديهيات مثل هذه من الأمور التي لا تحتاج إلى مناقشة، فضرورة الدفاع عنها

تثبت لنا درجة إغواء المذاهب الاستبدادية لكثير من النفوس.

تدلنا الملاحظات السابقة على نفسية المشترعين وتوضحها لنا، فمن أين أتت مناحي

ابن الطبقة الوسطى الثورية؟ بما أن هذا الابن عاجز عن التأمل والتمييز بوجه عام

يسلم بفعل التقليد ببضع صيغ دارجة يخفي بها سخافة أفكاره، ومن هذه الصيغ:

» على المرء أن يسير مع الزمن، وعلى الرجل أن يتكيف بحسب الأحوال «وهلم جرٍّا،

وهو لا يفقه ماذا ينطوي تحت الصيغ المذكورة ولا يدرك سامعوه لها معنى.

ثم إن ذلك الابن كجميع الفرنسيين حكومي من كل وجه، وهذا سر اتفاق أحزاب

الطبقة الوسطى - إكليروسية كانت أم اشتراكية أم ملكية - على مطالبة الحكومة

بوضع قوانين لتجديد العالم، والاشتراكية لكونها خلاصة هذه الرغبة العامة تنتشر

بسرعة بين أبناء الطبقة الوسطى، وإن كانت عبارة عن رجوع إلى طور الهمجية الأولى،

وكانت تهددنا باستبداد لا عهد للتاريخ بمثله.

ويضاف إلى الأسباب التي ذكرناها كره أبناء الطبقة الوسطى الظاهري للتقاليد.

فما من طبقة حنت التقاليد ظهورها كهذه الطبقة، وما من طبقة أبغضتها مثلها، وهي

في بغضائها للتقاليد كبغضاء الرقيق لسيده الذي لا مفر له من إطاعته.

ولتلك الأسباب نرى أناسًا متعلمين على قدر الإمكان يركعون أمام زعماء الكنائس

الجديدة بذلة كركوع البطائن أمام ملوك الشرق المطلقين، ومع هذا كله نشاهد بعض

ذوي الاستقلال الفكري يعدلون عن خدمة أمثال أولئك السادة، فإليك ما يقوله الموسيو

(إدمون بيكار) أحد أعضاء مجلس الشيوخ في بلجيكا عن ارتداده عن الحزب الاشتراكي:

«إنني لا أترك حزب العمال بل حزب المتعصبين الكثيري الشغب والعربدة، والذين تجري

المزايدة الانتخابية حكمها عليهم، فيخافون من الظهور بمظهر العاقل المتأني، إنني

أمقت عدم التسامح وأرفض الإذعان للمبادئ المتجبرة، فلتبحث الاشتراكية عن عباد لها

غيري.»

ولا يحتاج قساوسة الاشتراكية إلى عناء كبير لإيجاد من يعبد مذهبهم، فتطور

الأحوال النفسية في الوقت الحاضر يسهل أمر ظهور أناس مستعدين لمعاناة استبداد

أشد من استبداد قدماء الملوك، نعم إن للحرية أنصارًا من أصحاب العلوم النظرية، ولكن

الاستبداد هو الذي يستهوي الجماعات وقادتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت