واليوم يهيئ اليعاقبة آلة ظلم لا عهد لفرنسا بمثلها منذ قرون، وأعني بها ضريبة
الدخل، فقد أكد جميع علماء الاقتصاد وبين (پول دولومبر) في كثير من مقالاته أنها
ستضعف ماليتنا، ومع أن الاشتراكيين الحكوميين يعلمون ذلك تراهم فرحين من فرضها
لسببين: أولهما كونها تؤدي إلى اضطهاد مَن ليس من حزبهم، وثانيهما كونها توجب
معرفة ثروات الناس حتى يتم نزعها إما بالتدريج وإما دفعة واحدة، وريثما يقع
ما يرمي إليه الاشتراكيون يكون قانون ضريبة الدخل واسطة لإثقال كاهل الخصوم
والتخفيف عن الأصدقاء والأصحاب، وما درى الاشتراكيون أن هذا النظام الجائر لا يلبث
أن يصبح ممقوتًا، وينشأ عنه تمرد كثير لا ينتهي إلا بانتهاء الجمهورية، فالضأن تخلع
الطاعة في آخر الأمر، غير أن حب الاستبداد هو من الاستيلاء على بعض النفوس بحيث
يعميها عن إدراك حقائق الأمور.
وإذا كان الميل إلى الاستبداد واحتقار الحرية عامٍّا في فرنسا، فإننا لا ننكر أن فيها عددًا
من الأحرار الذين لا يشعرون بحاجة إلى اضطهاد مَن ليس على رأيهم، غير أن قلة
عددهم يجعلهم ضئيلي التأثير، وهنا نطرح هذه الأسئلة وهي: لماذا يتناقص عدد أولئك
الخواص؟ وكيف نجد بين النواب والناخبين أساتذة وأطباء ومهندسين اتصفوا بالحكمة
والمسالمة، فأصبحوا بعد انتخابهم مدافعين عن أشد المذاهب تخريبًا وهدمًا؟ ولماذا تجمع
مبادئ الشيوعية الثورة والمبادئ التي لا تلائم منافع الوطن، ولا تستحسن نظام الجندية
رؤساءها وأقطابها بين رجال الجامعات؟
لا تكفي الإجابة عن هذه الأسئلة بأن يقال إن الذوق السليم ليس وليد التعليم في
كل وقت، وإنما هنالك أسباب توجب حدوث تلك الحال الذهنية، ونعد منها الخوف،
والخوف قد صار فاعلًا أصليٍّا في الانتخابات البرلمانية كما أشرنا إلى ذلك آنفًا.
فلما كان صراخ لجان الانتخابات يهول النائب يخشى النائب عدم الظهور بمظهر
الجريء الجسور، أي بمظهر المستحسن لأوطار الجموع فيكد في تحقيقها، وهو لكي
يصبح مسموع الكلمة يزعق أكثر من منافسيه، ولا يلبث بفعل التكرار أن يعتقد صحة
خطبه الخاصة.
ونعد بجانب الخوف سببًا آخر وهو: الوهم اللاتيني القديم القائل إن من الممكنات
أن تتحول المجتمعات بفعل الشرائع والقوانين، ولما كانت جميع الأحزاب قانعة بأن
المراسيم قادرة على معالجة الشرور والأمراض الاجتماعية التي نقاسي أمرها يجد النائب
في الإتيان بعمل، وهو لجهله ما في مقتضيات الاجتماع من تعقد كما كان يجهل الأطباء
تعقد البنية الجثمانية يداوي البنيان الاجتماعي كما كان الطبيب يداوي المرضى بالفصد
والمسهلات على غير هدى، وقد مضى على الأطباء قرون كثيرة حتى اكتشفوا أن الأفضل
أن لا يتعرضوا للمريض، وأن يتركوا السنن الطبيعية تجري في مجراها مجتنبين مس
بنية معقدة معروفة قليلًا.
ولم تستطع الأدلة والبراهين أن تضعف الإيمان الفرنسوي القائل إن الحكومة
بوضعها القوانين قادرة على فعل كل شيء، وقد أضحى ذلك الإيمان في العقائد الدينية
التي لا يجادل أنصارها في صحتها، ومن هذا القبيل ما دلت عليه مقالة الموسيو (بوردو)
التي فحص فيها كتاب أحد أساتذة الجامعة، فعلى الحكومة عنده أن تتكفل بسعادة
الأمة وبنجاتها في الحياة الدنيا، وأن تسير سيرًا مماثلًا لسير الكنيسة في القرون الوسطى،
فما أشد خطر رجال التربية الذين ولدهم نظامنا الديمقراطي! وما أشأم أولئك المعلمين
الغائصين في بحار الأوهام والبعيدين من الحقائق التي تقود العالم!
وقد تأصل مبدأ سلطان الحكومة المطلق في نفوس الاشتراكيين تأصلًا جعلهم يرون
الحكومة غير مكلفة باحترام العهود والحقوق، ولم تشاهد هذه الذهنية حتى الآن في
ملوك الزنوج في أفريقية، ومع أن هؤلاء الملوك كانوا يتمسكون بأقوالهم في بعض الأحيان
يعتبر الاشتراكيون الحكومة غير مكرهة على حفظ كلامها، ولم يتردد رئيس الحزب
الاشتراكي عن التصريح بذلك في مناقشة دارت في البرلمان، إلا أن أحد الوزراء أجابه عن
كلامه بما يأتي:
كيف تريد أن تفسر الحكومة وحدها نصوص صك وقعت عليه مع إحدى