فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 145

الفصل الثاني

الإقناع

المؤثرات الشعبية تؤدي في الغالب إلى وقوع بعض الحوادث السياسية على وجه مفاجئ

داعٍ لدهش الجمهور وولاة الأمور، وقد تجلت هذه المفاجأة في الانقلاب التركي الذي

أوجب قلب حكومة تقليدية متأصلة كثيرًا، وفي اعتصاب موظفي البريد الذي أعُلن في

ثانية واحدة، وفي عصيان برشلونة الذي تحول فيه بغتة كثير من الرجال المسالمين إلى

أشقياء سفاكين حرقوا الأديار والكنائس ونبشوا القبور.

والشروح النظرية التي قيلت لإيضاح هذه الانقلابات لم تُصِب كبد الحقيقة، فيجب

لاكتناه الانقلابات طرح المنطق العقلي، فالمنطق العقلي وإن كان يصلح لتصور علل

وهمية تفسر بها الحادثات لا يقدر على إيجاد الحادثات أبدًا.

لا ريب في أن تلك الحركات الشعبية ليست بنت المصادفة والاتفاق، ولكن العوامل

اللاشعورية التي أوجبتها تخضع لأحكام نواميس لم تدرس درسًا كافيًا بعد، على أن

الانقلابات الفجائية المذكورة تنشأ في الغالب عن تأثير بضعة زعماء؛ ولذا نرى أن نبحث

عن الكيفية التي يسير بها هؤلاء الزعماء وعن السبب في أن تأثيرهم في بعض الأحيان

يكون سريعًا صائبًا، وإن كان ما يتذرعون به من الوسائل يبدو لنا كأمر حقير.

كنت لا أزال صغيرًا عندما تيسر لي في ميدان إحدى المدن الصغيرة أخذ درس نفسي مؤثر

في الموضوع، وقد مضت ثلاثون سنة حتى تم إدراكي لمغزاه.

وليس الدرس نفسه هو الذي أثر فيَّ آنئذ، بل مبدع الدرس ذو البرد المذهب المُحلَّى

بالأحجار الكريمة، وهل كان هذا الرجل من الأكاسرة أم من المرازبة أم من أمراء

الهند الذين ورد ذكرهم في كتب القصص والأساطير؟ كان عرشه الساطع فوق مركبة

يجرها أحصنة ذات سروج أرجوانية، وكان خلفه محاربان شاكيان سلاحًا لامعًا يناديان

ببوقيهما الفضيين مناداة ذات رنين وأسرار، وفي تلك الأثناء كان الناس يتقاطرون من

كل صوب وحدب حتى ضاق الميدان بهم، فأشار الرجل على المناديَيْن بالصمت فاستولى

على الكل سكوت عميق، وفي وسط ذلك نهض الرجل فألقى خطبة استمعت الجماعة

إليها استماع المسحور لساحره.

ولا أعلم ماذا قال فيها؛ لأنني كنت بعيدًا منه، وإنما علمت أنه أتى من بقاع بعيدة

-كان يتألف منها ملك سبأ - ليبيع الناس بأثمان بخسة علبًا سحرية تحتوى على

مسحوق عجيب قادر على شفاء جميع الأمراض ومنح السعادة.

ثم سكت الرجل فعاد البوقان إلى المناداة، فتهافتت الجماعة المسحورة على اشتراء

العلب، وقد كنت أفعل مثلما فعلت الجماعة لو كان في جيبي شيء من المال.

نعم إن صيدلي المدينة الشاب الشديد بيَّن أن العلب لا تشتمل على غير السكر، ولكن

ماذا تكون قيمة أقواله إزاء كلام رجل لابس ثوبًا مذهبًا ووراءه محاربان وقوران؟

مضت السنون فقل تأثير ذكرى ذلك الدجال الذي خلبني أيام كنت صغيرًا، ثم

صرت طالبًا في المدارس الثانوية، فنلت فيها معارف لاغية، ومنها علم المنطق الذي به

نعتقد ونسير كما كان الأساتذة يقولون لنا.

على أنني لم أنسَ قط ذلك الدجال، فمع ما في مسحوقه من عناصر تافهة كان ذا

تأثير، فما هو سر هذا التأثير يا ترى؟ بعد أن أنعمت النظر كثيرًا في المعضلة اهتديت إلى

أن الدجال المذكور استعان بغريزته بالعوامل الأساسية التي تشتق منها حياة الشعوب

ومجرى تاريخها، فما كان يبيعه هو الأمل، أي العنصر غير المادي الخالد الذي يقود

العالم، وهل باع أحبار الأديان ورجال السياسة في كل جيل شيئًا غير الأمل؟

وإذا كان ذلك الرجل الماهر أورث سامعيه إيمانًا بصحة ما قاله فلاستناده -

كجميع مؤسسي المعتقدات - إلى العوامل الأربعة في إدخال الإيمان إلى قلوب الجماعات،

وهي: أولًا النفوذ، وهو الذي يوحي إلى النفوس بالأمر ويلزمها إياه. ثانيًا التوكيد غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت