به من سرعة التصديق يتهافت عليها خوفًا من ضياع الفرصة، وعلى رغم مضي خمس
سنوات من غير أن يوزع فيها شيء من الأرباح على المساهمين اشترى الجمهور من تلك
المناجم باثني عشر مليونًا أسهمًا لا تساوي قيمتُها بالحقيقة ثقل ورقها.
والأمور التي من هذا النوع كثيرة إلى الغاية، وقد أضافت تلك الجريدة إلى روايتها ما
سرعة التصديق في الجمهور كثيرة، فالجمهور لا يطلب دليلًا ولا يعرف المستحيل،»: يأتي
وتقوم الوعود وضروب التوكيد عنده مقام الأدلة، وأكثر شيء يؤثر فيه الإعلانات ذات
الهذر والثرثرة، وهو لا يبالي بتكذيب الحوادث للآمال التي أوجبتها فيه تلك الإعلانات،
«. بل هو هو في بقائه مسلمًا لا يتعدى بصره حدود أنفه
وبتطبيق ما ذكرناه على عالم السياسة يتجلى لنا سر نجاح بعض الأشخاص
والمذاهب، فالنجاح في ميدان السياسة قائم على وعد الأوهام والتوكيد بلا دليل وتكرار
الوعود نفسها تكرارًا متصلًا ومزايدة الخصم فيها.
ومع كل ما بيناه لا نتوجع كثيرًا مما في الجمهور من سرعة التصديق، فالعوامل التي
تؤثر في تكوين المدنيات كعامل سرعة التصديق قليلة جدٍّا، وبفضل هذا العامل خرجت
الديانات من العدم وتأسست أقوى الدول، فسرعة التصديق تجعل الإيمان أمرًا ممكنًا
وتحافظ على ما تستند إليه عظمة البلاد من التقاليد، وما هو الذي يدافع عن الإيمان
بالوطن والإيمان بالمثل الأعلى والإيمان بالمستقبل غير سرعة التصديق؟ إن الشعوب التي
تضيع كل إيمان فيها تضيع نفسها وبواعث السير فيها، وهي بانحطاط مستمر تلحق
بالشعوب الغابرة التي قوَّض الشك أركانها.