المبرهن، وهو الذي يعفي من المجادلة. ثالثًا التكرار، وهو الذي يجعل المرء يسلم بصحة
الأشياء المؤكدة. رابعًا العدوى النفسية، وهي التي يتحول بها يقين الفرد الضعيف إلى
يقين قوي. في هذه العوامل الأربعة عناصر الإقناع الأساسية، فإذا قال لكم أساتذة المنطق
أضيفوا إليها عنصر العقل فلا تصغوا إليهم، وهي تطبق على أحوال مختلفة، فيها يتذرع
باعة الإكسير والأوراق المالية المنحط ثمنها، والإمبراطور الذي يود أن يلزم رعيته ضرائب
فادحة لإنشاء أسطول حربي عظيم.
وعوامل الإقناع لا تؤثر في غير المشاعر، أي بواعث السير فينا، وهي قلما تهيمن على
العقل والذكاء؛ ولذلك لا تفيد الأستاذ الذي يأتي بالبراهين والعالم الذي يشرح إحدى
التجارب، فالأستاذ والعالم يبحثان بالحقيقة في المعارف لا في المعتقدات.
تختلف المعرفة عن المعتقد، وقد لاحظ أفلاطون ذلك فأشار إلى أنهما لا يقومان على
أساس واحد، فالمعارف تتضمن أدلة وبراهين، وأما المعتقدات فليس فيها شيء من ذلك،
وهذه هي العلة في أن جميع الناس لهم معتقد مع أن عدد الذين يصعدون منهم إلى
سماء المعرفة قليل جدٍّا.
ولا يستفاد من عناصر الإقناع إلا توليد آراء ومعتقدات قائمة على المشاعر، ومن هذه
الآراء والمعتقدات تشتق أكثر أفعالنا، فالذي يقدر على إيجادها هو الذي يكون سيدنا.
والخطيب الذي يخاطب عقل سامعيه كما يرى ذلك كثير من علماء المنطق لا يقنع
أحدًا ولا يُصغَى إليه، وهو يملك قلوبهم ويستولي على مشاعرهم إذا أتى بأوضاع وحركات
وصيغ وألفاظ تحدث في نفوسهم صورًا وخيالات، فالبقعة التي على الخطيب أن يرودها
هي بقعة اللاشعور التي تنبت فيها أدواح أفكارنا لا بقعة العقل والذكاء.
يؤثر في اللاشعور بالوسائل التي ذكرتها آنفًا، وهي النفوذ والتلقين ... إلخ، ونضيف
إليها العامل الشخصي المؤلف من عناصر كثيرة الاختلاف متعذر ضبطها تحت قاعدة،
فالخطيب الذي يستهوي الأفئدة يخلب ألباب الناس بشخصه أكثر منه بكلامه، فكأن
روح سامعيه مزهر يتأثر من أقل تلحين عليه، وهو يعلم ماذا يجب أن يقول وكيف
يقول، ولا يعرف الخطيب العامي والسياسي الجبان سوى تملق الجموع بدناءة والإذعان
لما تأمرهما به، أي إنهما على خلاف الزعماء الحقيقيين الذين يسحرون الجموع حتى لا
يكون لها غير ما لهم من رأي وعزم.
ويظهر أنه يبرز من هؤلاء الزعماء مؤثرات جاذبة خفية، فكل من عنده شيء من
هذه المؤثرات لا يبقى له احتياج إلى الإتيان بالأدلة ويكفيه الكلام المؤكد، وإذا كان أكابر
الخطباء يلجأون أحيانًا إلى الشرح والتفسير عندما يرون خطبهم ستنشر؛ فلأنهم يعلمون
أن الإقناع كتابة يختلف عنه خطابة، على أنه قد يكون لنفوذ الزعيم الشخصي أثر في
خطبه المكتوبة، فلو نظرنا إلى أعاظم الكتاب - مثل روسو - لرأيناهم يقنعون الناس
بنفوذهم أكثر مما ببراهينهم التي تكون في الغالب ضعيفة.
وأكبر عدو للخطيب هو المعتقد المتين الراسخ في نفوس سامعيه.
ومتى يستحوذ هذا المعتقد على دائرة الإدراك والتمييز في الإنسان يتحطم أمامه كل
شيء. فالمعتقد حصن لا يقدر أحد على خرقه.
والنفوذ الشخصي يكفي للإقناع في بعض الأحيان، ولكن لا على الدوام، فهنالك
صفات أخرى لا بد منها في الخطيب، فالخطيب يجب لكي يكون مقنعًا أن يخرج من
دائرة أفكاره وينفذ دائرة أفكار سامعيه وأن يتأثر عندما يؤثر فيهم، وهذا ما وقع
لأنطونيوس الذي قال خطبته اللبقة أمام جثة قيصر فحوَّل بها سامعيه في بضع دقائق
من معجبين بالقتلة إلى منتقمين مستعدين لذبحهم.
وفي الجماعات العامية كما في المجالس الرفيعة نرى عناصر الإقناع التي ذكرتها
شافية على الدوام، فيجب على الخطيب في جميعها أن يتنبأ بما يجول في خاطرها، وأن
يفكر مثلها في البداءة ليجعلها تفكر مثله.
وقد أشار الموسيو (تارديو) إلى فائدة هذا المبدأ في مقالة خصصها للبحث في الوزير
الذي يعد من أكبر خطباء زماننا الألماني) بيلوف (فقال»:يقوم فن الخطابة في المجالس
السياسية على علم الخطيب بما ينتظره السامعون منه، فمتى وقع هذا العلم وعمل