فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 145

الخطيب بما يلائمه فبشره بالنجاح، وقد كان الوزير) بيلوف (يجيد ذلك كلما وقف

خطيبًا، وما من أحد أحس بغريزته ماذا يقتضي أن يقال للجمهور أكثر منه، ففي كثير

من خطبه وجمله تجده يراعي ذوق الوقت، ومن هذا القبيل ما قاله من المؤكدات في

قوة ألمانيا، ومنها «لا ترضى ألمانيا بأن تمشي على رجليها، ولا ترضى ألمانيا بأن تطرح

جانبًا، ولا ترضى ألمانيا بأن تعتزل، «ومع ما في هذه المؤكدات من ابتذال كان (بيلوف)

يعلم أنها تناسب ذوق سامعيه من النواب وغيرهم، فكان يلعب بهم كما يلعب على رقعة

الشطرنج.»

رأينا الجماعات تتصف بسرعة تصديق لا حد لها، غير أن ما تلقنه من الآراء يكون

في الغالب مؤقتًا غير ثابت مجردًا من الديمومة والقوة، وتكتسب الجماعات في أدوار

التاريخ النادرة معتقدات متينة، فتنقلب كما في أوائل الحروب الصليبية وفي الحروب

الدينية وفي أيام الثورة الفرنسوية إلى سيل يقيم العالم ويقعده، وانقلابات مثل هذه

لا تصدر عن رجالنا الاشتراكيين الثوريين ذوي الضجيج أمام حماة النظام الاجتماعي

وذوي الخوف أمام الجموع: فإيمان هؤلاء قائم على كثير من الشهوات الشخصية التي

لا تقوم عليها معتقدات دائمة أبدًا.

ومع أن شأن الزعماء معروف منذ زمن طول لم يوفه علماء النفس حقه بحثًا

وتفصيلًا، ولا ريب في أنهم يبقون على ما هم عليه حتى يمعنوا في ارتياد بقعة اللاشعور

الخفية التي تنضج فيها علل أفعالنا وصور أفكارنا.

وإني لا أبالغ إذا قلت إن نفوس الساحر والمسحور والسائس والمسوس غير الشاعرة

تتناجى حسب ناموس غامض أمره، ويسوقنا مثل هذا التناجي إلى باب تلك البقعة

المجهولة التي أبصرها العالم دون أن يسبر غورها.

ومن البقعة المظلمة نأتي إلى البقاع التي تسهل ملاحظتها، وإليك البيان: لقد أشرت

إلى قليل من عناصر الإقناع، فللإقناع وجوه كثيرة: إقناع بفعل البيئة، وإقناع بالجرائد،

وإقناع باللجان الخفية، وإقناع بالإعلانات، وإقناع بتأثير المصلحة الشخصية ... إلخ،

ومع أن التدقيق في الإقناع يتطلب مباحث وفصولًا كثيرة لم يطرق علماء النفس بابها

حتى الآن، وإن كان هذا الباب أفيد من مناقشاتهم الفارغة في مقولات (كانت) أو في

طبيعة الزمان والمكان.

أهمية عامل العدوى النفسية بين عوامل الإقناع تجعلني أقول إنه الفاعل الأساسي

في انتشار ما ألمعت إليه سابقًا من الحوادث كاعتصاب موظفي البريد وعصيان برشلونة

إلخ، وهذه الحوادث التي يوجبها الزعماء بعد أن تدعوا إليها الأحوال - كالاستياء

العام - تنتشر سريعًا بفعل العدوى النفسية، ولهذه العدوى شأن عظيم في أكثر حوادث

التاريخ، فلولاها لما ذاع أمر الديانات الكبيرة كالنصرانية والإسلام والبوذية، وبها يعم أمر

الثورات الكبيرة وجريان الآراء وكل ما نسميه روح الوقت، ويظهر أن تأثيرها اليوم أكثر

منه في أي زمن، فالوقت الحاضر صار دور الجموع التي أصبحت لا تمسكها روابط

الماضي.

يجب للتفريق بين عوامل السير في الأفراد والجماعات أن لا ننسى التباين بين المشاعر

والذكاء، وقد اتخذتُ هذه الحقيقة دليلًا لي في كثير من كتبي، ثم جاء الفيلسوف الكبير

(ريبو) فأسهب في بيان أهميتها.

وإنا نعبر عن المشاعر بتعبيرات عقلية، فاختلاط المشاعر بالعقل على هذا الوجه

جعل تفريقها عنه أمرًا صعبًا، وما استطعنا أن نميز بين المشاعر والعقل إلا بعد كثير

من الدقة والصبر، وبذلك علمنا أن بجانب المنطق العقلي منطقًا للمشاعر لا صلة بينه

وبين الأول، وأن هذا لا يصح لتفسير ما صدر عن ذلك من الأفعال.

والتاريخ المزاول الذي تم تأليفه على يد أساتذة لا علم لهم بغير المنطق العقلي

شيء مصنوع، فهم يفسرون أكبر الحوادث التي توقف عليها مصير الشعوب وحضارتها

بالمنطق العقلي الذي لم يمللها وهم يجهلون أن العقل يخلق العلم وأن المشاعر تقود

التاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت