فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 145

النظم الدستورية ولإدارتهم جمعية اتحاد العمال إدارة مطلقة، وهم

أريستوقراطيون لاحتقارهم الانتخاب العام والديمقراطية، وهم متدينون

لاعتقادهم انقلابًا يخرج منه عالم جديد، هم يفتخرون بإنكارهم الأساطير

مع تمسكهم بأسطورة من فصيلة أساطير القرون الأولى، فالخوارق عندهم

بدلت شكلها فقط، أي أنها تبدو لهم على وجه قادر على تغيير طبيعة البشر

وتجديد المجتمعات فجأة.

والمثل الأعلى لأولئك الرجال الفطريين عبارة عن قهقرة سياسية اجتماعية، وعودة

إلى همجية القرون الخالية حيث كانت تسود شيوعية خالصة لم يتفلت البشرمن حكمها

إلا بعد أن قاسى كثيرًا من الصعوبات، وهنالك وجه شبه بينهم وبين قدماء النصارى من

حيث المزاج النفسي والمقاصد، فقد كان أنبياء بني إسرائيل يتوعدون الأغنياء ويبشرون

بملكوت العدل والمساواة، وكان آباء الكنيسة يقولون مع القديس (بازيل) والقديس

(جان كريزوستوم) إن الأغنياء لصوص، والثروة عند القديس (جيروم) نتيجة الاختلاس

والسرقة، وجميع هؤلاء يرون رد الأموال إلى المجتمع وتوزيعها بين الناس على السواء.

الحاجة إلى الاستبداد عاطفة قومية ملازمة لمزاجنا النفسي، ويسهل إثبات ذلك ببيان

نتائج النظم الواحدة في مختلف الشعوب، فلو نظرنا إلى النظام النقابي الذي هو وليد

طوائف العمال في جميع البلاد لرأيناه أصبح في فرنسا آلة عنف وتمرد وحقد وعدم

اكتراث للوطن والتجنيد وانحلال اجتماعي مهدد حياة الأمة، وأصبح في إنكلترة نظامًا

سليمًا مفيدًا في تنظيم العلاقات بين أرباب العمل والعمال رادعًا عن الحقد والتمرد على

أي إنسان، وقد أثر هذا الأمر في وفد أرسله العمال حديثًا إلى إنكلترة؛ ليدرس فيها نظام

العمل فإليك بعض ما جاء في تقريره:

استوقفت الروح القومية في زملائنا في إنكلترة نظرنا كثيرًا، فكل فيها كان

يحدثنا بما يغلي في صدره من مشاعر الإخاء العام، ولم يرَ أحد هنالك ما يعبر

به عن خصومة ضد الحكومة، وفي محال كثيرة - ولا سيما في مصفق العمل

في مانشستر - شرب المنتسبون إلى النقابات نخب الملك.

ولا أعلم هل يشاهد الجيل الحاضر ظهور ديانة جديدة، كما يدل على ذلك بعض

الإمارات، وستكون هذه الديانة محلٍّا لإعجابنا إذا استطاعت أن تحبب إلينا روح التسامح

وتبغض إلينا الاستبداد.

ولا تظهر نتائج استبداد زعماء العمال إلا إذا تجلت على شكل اعتصابات وتمرد

كما وقع في (درافي) ، وأشدها خطرًا لا يبدو للعيان، فتجمع النتائج الخفية يؤدي إلى

انحلال المصالح العامة والصناعة، وجميع عناصرالحياة الاجتماعية ببطء.

اليوم يسلم بعض الرؤساء والزعماء الذين لم تحمهم الحكومة بجميع رغبات

العمال، ويرضون بخفض إنتاجهم خفضًا متصلًا قائلين إن جماعة الموظفين وخزينة

الدولة هما اللتان تتحملان ذلك في نتيجة الأمر، والذي يوجب نقص العمل ومن ثَمَّ

زيادة النفقة هو الخوف، فالخوف قد استحوذ على فروع الكهرباء في باريس، وليس في

استطاعة أحد أن يتخذ تدبيرًا في هذه الفروع من غير أن يأخذ رأي أمين سر النقابة

الذي اعتصب عمال الكهرباء بأمره، وقد صار الإنتاج في دور الصناعة من النقص بحيث

يقتضي شغل خمس سنوات لصنع مدرعة يكفي لعمل مثلها في إنكلترة شغل سنتين

ونفقة أقل.

وقد أصاب الوهن السلطة بتأثير العدوى، ولاعتقاد رؤساء السلطة عجزهم تراهم

لا يبالون بالأمور العامة، ولا يفكرون إلا في منافعهم الشخصية، ومن وقت إلى آخر تنشأ

عن هذا التخلي وتلك الفوضى نكبة جديدة، فليس غرق سفن مهمة من أسطولنا الحربي

مثل ينا وسوللي وجانبار وشانزي ونيف واللبرته في بضع سنوات بأمر حدث عرضًا.

ويضاف إلى الاستبداد الشعبي أنواع أخرى، فلم يكن استبداد الاشتراكيين اليعقوبي

أقل حيفًا من ذلك، ويزيد كل يوم تفاقمًا، ونعد من نتائجه الاضطهاد الديني الهمجي،

ونزع أموال طبقة من الأمة والقوانين المتجبرة التي لا تلائم التجارة والصناعة ... إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت