فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 145

إلى الاستعانة بفن السياسة، مع ما فيه من قواعد غير محققة. وللتدابير الناشئة عن هذه

الحوادث أهمية عظيمة في الغالب، فقد تعاني أجيال كثيرة نتائج الخطأ الواحد، يؤيد

ذلك وقائع القرن السابق الكثيرة.

والتأثير هو أهم قواعد ذلك الحكم، فمن تقدير وقت التأثير وكيفيته وحدوده يتألف

فن السياسة.

وبإنعام النظر في الهفوات السياسية التي حدثت في غضون التاريخ نرى أنها ناشئة عن

جهل علم النفس، وكما أن الفنون والعلوم تخضع لقواعد لا يجوز نقضها كذلك قيادة

الناس لها قواعد لا تخرق حرمتها، من غير أن يؤدي ذلك إلى عواقب وخيمة، ويصعب

اكتشاف هذه القواعد بدليل أن عدد الذي صيغ منها حتى الآن قليل جدٍّا.

والكتاب الحقيقي الوحيد الذي بحث في روح السياسة هو الكتاب الذي وضعه

فلورنسيٌّ منذ أربعة قرون فخلد به اسمه، وهذا المؤلف مدفون تحت قباب كنيسة الصليب

المقدس (سنتا كروشيا) الشهيرة في مدينة فلورنسا، فهذه الكنيسة التي هي عنوان مفاخر

إيطاليا تحتوي على قبور جميلة أقيمت ذكرى لعظماء إيطاليا مثل ميكل آنجلو وغاليله

ودانتي ... إلخ، وقد نقشت مآثر هؤلاء بحروف من ذهب، وليس بين قبورهم غير واحد

رؤي الإطناب في وصف صاحبه لا يجدي نفعًا، إذ لم ينقش عليه سوى هذه الكلمة وهي

«ماكيافيلي 1527» لا يبلغ أعلى المجد شأو هذا الاسم.

والأثر الذي من أجله استحق ماكيافيلي ذلك التاريخ المجيد الوجيز هو كتابه «الأمير»

فقد تضمن هذا الكتاب قواعد سديدة في قيادة أبناء ذلك الوقت، ولو لم يختص هذا

الكتاب النفيس بذلك الزمن لما ساء صيته بعد أن تطورت الأفكار والعادات، فأصبح لا

يعبر عن مقتضيات هذه الأيام، ولما صار اسم (ماكيافيلي) مرادفًا للغدر والخداع.

اطلع هذا العالم الكبير بثاقب نظره على حقائق الأمور، فكان يبحث عن الممكنات لا

عن الكمال، ومن يود أن يقف على درجة عبقريته ودهائه فليرجع بصره إلى ذلك العصر

الزاهر الفاسد حين كانت حياة المرء لا قيمة لها عند الآخرين، وكان الناس يرون من

الأمور الطبيعية أن يأخذ الرجل خمره معه عندما يذهب؛ ليتناول طعام الغداء على مائدة

أحد الكرادلة أو مائدة أحد أصدقائه، خوفًا من سمه. فتفسير سياسة العصر المذكور

بأفكارنا الحاضرة هو من عدم الإصابة كشرح الحروب الصليبية والحروب الدينية،

وملحمة سان بارتلمي بمبادئ زماننا.

وما كان (ماكيافيلي) من أصحاب العلوم النظرية، فقد اختبر - بما تقلده من

المناصب الكثيرة - سياسة بلاده العملية، وآلمته الفتن الدامية المستمرة التي استحوذت

على جمهوريات إيطاليا ذات النظام النقابي، وفي سنة 1502 شاهد دخول فلورنسا في

حوزة الحكم المطلق الدائم، فاستنتج أن هذا النظام ينشأ عن الحكومات الشعبية في كل

زمن. وما كان واهمًا في ذلك. فلقد أصاب جميع جمهوريات إيطاليا وأثينا وروما مثلما

أصاب فلورنسا.

ومع أنه لم يبقَ لتعاليم (ماكيافيلي) العظيم من فائدة في قيادة الناس، فقد مضت

أربعة قرون على وفاته دون أن يسعى أحد في تجديد أثره في روح السياسة وهي من

الأمور الحاجية التي لا غنية لأولي الأمر عنها. حقٍّا إن روح السياسة - وإن شئت فقل: فن

الحكم -ضرورية لهم، غير أن قلة الدساتير الصريحة تلقي أزمة قيادتهم إلى اندفاعات

الوقت وعدد من القواعد التقليدية المختصرة اختصارًا مخلٍّا، وإدلاء مثل هذه تؤدي إلى

ضلال بعض القادة، فقد جهل نابليون - وهو الخبير بأحوال الفرنسويين الروحية -

مزاج الروس والأسبان الفكري فشهر عليهم حروبًا لم تعصمه مزاياه الحربية الخارقة

للعادة من الفشل فيها إزاء وطنيتهم الصادقة التي لا تقهرها قوة. وقد أتى وارث اسمه

الذي لم ينصح نصيحة حسنة بأغلاط فكرية في القريم والمكسيك وإيطاليا وغيرها من

البلاد، فأوجب بذلك غزو العدو لبلاد فرنسا في نهاية الأمر.

ويكون قادة الناس من المطلعين على أحوال الرجال الفكرية بحكم الضرورة، فلولا

علم (بسمارك) بمزاج الأفراد والشعوب النفسي لم تكف الجيوش الجرمانية لإقامة صرح

اتحاد ألمانيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت