فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 145

عوامل الانقراض الكبيرة أن يعدل أبناء الأمة عن استمرار في الجهد، وقد فشا هذا العجز

بين طبقات الأمة المتعلمة، فهي تلقي سلاحها أمام المصائب الاجتماعية كما كان يُلقَى

أمام الأوبئة التي تغلب عليها العلم في آخر الأمر.

والشك الذي هو علة ضعفنا لم يتطرق إلى الرسل الثوريين، فاعتمادهم على نجاحهم

هو من عوامل قوتهم، ومع أن العمال صاروا على شيء من السعادة والهناء جعلهم

المتمذهبون يعتقدون بفعل التكرار أنهم سيئو الطالع، ولما أخذ مزاج العمال النفسي

يعود بالتدريج إلى حظيرة الغرائز الأولى أوشك هذا المزاج أن يصبح كمزاج الهمج النفسي.

ولا يسهل إرجاع العامل إلى طور الحضارة، فيجب لذلك إثبات قيمة الذكاء ورأس

المال والعمل له وجعله يرى شقاءه في النظام الاجتماعي الجديد الذي رسم له، ولكن أين

السادة القادرون على إرشاده إلى هذه الأمور؟

يجب على أبناء الطبقة الوسطى أن يتوكلوا على أنفسهم لا على الجامعة العارية من

المبادئ الناظمة ولا على الحكومة التي لا قوة لها، وأن ينظموا صفوفهم كما وقع في بلاد

السويد للدفاع ضد تمرد طبقة العمال، وقد حنكت التجارب حكومة السويد فعلَّمتها أن

حق الاعتصاب الذي يسمح لأقلية عاصية بأن تقف جميع مصالح البلاد العامة وأن تبذر

بذور الفوضى بين الناس لا يلائم تقدم الحضارة، وجعلتها تعرض على البرلمان لائحة

قانون العقود المشتركة ومجازاة كل اعتصاب يكون كارثة على البلاد بأشد العقوبات

وتأسيس محكمة تحكيم لتفصل كل اختلاف يقع بين العمال وأرباب العمل، فلو كان

لنا نظير هذا القانون ما وقع عندنا إضراب موظفي البريد وإضراب الملاحين الذي أوشك

أن يقضي على بحريتنا التجارية.

وقد أخذت التجارب تجعل أولياء الأمور في فرنسا يفكرون في القيام بمثل تلك

الحركة، ولكن ينبغي أن يطرأ بعض التعديل على مزاجنا النفسي قبل أن يسن مثل

القانون المذكور، ولا ننكر أن تردد طبقتنا الوسطى ولدونتها يمنعانها من التفكير في

الدفاع عن نفسها، غير أن شدة مهاجمتها قد تحملها على ذلك، قال الموسيو(جورج

صوريل): «عندما يرى أرباب رؤوس الأموال أنهم لا يكسبون شيئًا من سلوكهم سبيل

السلم الاجتماعي والديمقراطية ويعلمون أنه لم تحسن نصيحتهم يلتجئون إلى ما كان

لهم في الماضي من همة ونشاط، فطبقة العمال وحدها هي التي تلجئ طبقة المتمولين إلى

الشدة في النزاع الصناعي.»

ومن يود أن يعيش فليبق قويٍّا، ففي الطور الذي دخل العالم فيه حديثًا لا يستطيع

أحد أن يحافظ على شيء لا يعرف كيف يدافع عنه، وعلى طبقتنا الوسطى أن تتحلى

ببعض الفضائل وأن تعدل عن بعض النقائص إذا أرادت الظفر في المنازعات التي يتفاقم

أمرها، فالإفراط في التلذذ بالنفائس والكماليات التي يعتقد العامل أنها من جني عمله

تورثه حقدًا لا يورث مثله جميع الخطب الاشتراكية.

وإذا قايسنا بين طبقتنا الوسطى وبين طبقة الأرستوقراطيين الإنكليزية في الحال

وطبقة الأرستوقراطيين الفرنسوية القديمة رأينا طبقتنا الوسطى تشيخ بسرعة، وأنها

لا تظل باقية إلا بفضل ما تتقوى به من العناصر التي تستمدها من الطبقة الدنيا،

ولا نعجب من ذلك كثيرًا، فالطبقات الأرستوقراطية القديمة لم تدم إلا بفضل حقوقها

الموروثة التي لا تحتاج إلى اتصاف صاحبها بأية أفضلية، وهي بعكس أرستوقراطية

الذكاء التي لا يستقيم أمرها إلا بأفضلية في عقل أفرادها، ولما كانت نواميس الوراثة

ترجع ذرية خواص الأمة إلى المثال المتوسط - كما بينت ذلك في كتاب» سر تطور الأمم «

-تضطر طبقة الخواص إلى الاستعانة بالطبقة التي تليها.

إذًا فالطبيعة مسوية أحيانًا، ولكن لا كما يحلم الاشتراكيون، فالطبيعة تعيد ذرية

صفوة الناس إلى حظيرة المساواة في المستقبل، وأما الاشتراكيون فيودون التسوية بين

الناس في الحال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت