فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 145

وفي أثناء تجمع هذه العلل في الانقراض ترانا نتغاضى عن نمو جيش من الثوريين

المتعصبين الذين لم يتصفوا بشيء من التقاليد والمبادئ وحسن الضمير والذين لا يسعون

في غير قضاء شهواتهم وتنفيذ رغباتهم في الهدم والتخريب، ولا نقابلهم بغير شكوكنا

الشاحبة وعدم اكتراثنا وتسليمنا المزري، وكلما زادوا وعيدًا زدنا خضوعًا، وهكذا قرب

الوقت الذي لا يرتج فيه ميزان القوى.

وإذا قدرت بهذا الكتاب أن أثقف بعض النفوس فالجهود الكبيرة التي بذلتها في وضعه

لم تذهب عبثًا، على أني لم أذكر فيه في الغالب سوى حقائق بسيطة يقدر كل واحد على

استنباطها بعد إنعام الفكر وحسن التأمل، وقد أخذت الأمم التي كانت خلفنا في الماضي

فسبقتنا في الحال تطلع عليها بدليل ما يجيء في بيانات قادتها، ويمكن الوقوف عليها

في خطبة ألقاها في كلية (الصوربون) في 24 نيسان سنة 1910 المستر (روزفلت) أحد

مشاهير رؤساء جمهورية الولايات المتحدة، فهو أيضًا بيَّن خرق مبادئ المساواة وخطر

المذاهب الاشتراكية، وأفضلية الخلق على الذكاء في الحياة وحقائق أخرى غيرها، وإليك

بعض ما جاء في خطبته:

يجب أن لا ننسى أن حدة الذكاء مهما كثرت والثقافة مهما سمت والرشاقة

مهما علت لا تسد فراغًا يقع في صفات الخلق الأساسية، والصفات الخلقية

التي تقوم عليها سيادة الأمة هي ضبط النفس والرزانة وتحمل التبعات والميل

إلى الاتحاد والحزم والشجاعة، فإذا ضعفت هذه الصفات عجزت الأمة عن

سياسة نفسها وعن منع الأمم الأجنبية عن التدخل في شؤونها.

ولا نبالغ إذا قلنا إن الاشتراكية مؤدية إلى الهدم والتخريب وإلى عدد غير

يسير من الشرور والظلم وفساد الأخلاق، وعلينا أن لا نكذب فنقول إن الناس

متساوون بعد أن علمنا أن المساواة لا وجود لها.

لقد تأسس في الماضي كثير من الجمهوريات ثم انقرضت بفعل انقسام

أبنائها إلى فقراء وأغنياء، وسعى كلٌّ من الفريقين في القبض على زمام المصير،

وكلما كان يمعن أحدهما في بغض الآخر والإخلاص للنظام الجمهوري فقط

كان أجل هذا النظام يدنو.

هذه حقائق ما فتئت أبينها منذ سنوات كثيرة، فيجب تكرارها لترسخ في النفوس،

إذ قلما تسيغ النفوس المبادئ لمجرد بيان صحتها، وإنما تهيمن عليها بعد أن تدخل

بفعل التكرار في أعماقها حيث تنضج بواعث السير والحركة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت