فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 145

أشرنا إلى حرب 1870 آنفًا وما كان عدد الفرنسويين الذين نسوا أمرها قليلًا، فقد

بيَّن أحد أساتذة دار المعلمين العالية في جريدة الطان أن بعض الطلاب يجهلونها مع

أنها لا تزال ذات تأثير في أوربا ولا نزال نؤدي 450 مليون فرنك فائدة على المليارات

البالغ عددها خمسة عشر، والتي اضطررنا إلى إنفاقها فيها، ومن نتائج انكسارنا في تلك

الحرب إنفاقنا ثلاثة وخمسين مليارًا من الفرنكات اتقاءً لشر هجمات ما فتئ جيراننا

المنصورون يهددوننا بها منذ أربعين سنة.

ترى ما يوجبه رجال السياسة الغافلون الأغرار من بلايا ومقدار احتياج البلاد إلى

أعاظم الرجال الذين يعرفون كيف يقرأون المستقبل من ثنايا الحال ويذللون المقادير.

يعتبر كثير من الساسة في دورنا النيابي أن السياسة فن الخطابة، ولو دقق هؤلاء

في الأمر لرأوا أن النجاح القائم على الصيغ الطنانة لا يكون إلا مؤقتًا، فالخطابة المستندة

إلى الكلام بظرافة وطلاوة لا تتطلب معرفة الرجال والأشياء معرفة لازمة لاتخاذ المقررات

الصائبة الفعالة السريعة، كما أنها لا تطلب إلى صاحبها جهودًا مستمرة ضرورية لدوام

النجاح.

ولا يبصر الساسة الحاليون نتائج أعمالهم، فإذا كانت إنكلترة تقاسي اليوم مصاعب

جمة في زيادة الضرائب التي لا بد منها لتقوية أسطولها إزاء الخطر الألماني فلعجز

ساستها عن كشف المستقبل، إذ رفض هؤلاء أن يوافقونا بعد الحرب الفرنسوية الألمانية

على عقد مؤتمر يحدد مطاليب ألمانيا ويغير سير المستقبل، وقد كان (بسمارك) يرى

انعقاد مثل هذا المؤتمر كابوسًا، فكان يفكر في أمره صباح مساء كما قال في مذكراته؛

لأنه كان يعلم أنه» يحرمه ثمرة انتصاراته «، ولو تم انعقاد ذلك المؤتمر لأدى إلى نتائج

كنتائج مؤتمر برلين الذي عقد بعد بضع سنوات فأكره الروس المنصورين على التُّرك على

التخلي عن البقاع الطامعين فيها، حقٍّا ما كان المؤتمر المذكور لو عقد ليترك دولة تخل

بالتوازن الأوربي على رغم انكسارنا، وهل كان من مصلحة إنكلترة والنمسا وروسيا أن

تقوم دولة عظيمة في وسط أوربا؟

أصبح مصير الأمم اللاتينية مشكوكًا فيها بسبب المدد القصيرة التي يقبض فيها

رجال السياسة على زمام الأمور، والتي تجعل هؤلاء لا يفكرون في سوى الساعة الحاضرة

غير مبالين بالمستقبل، فسياسة لا تبالي بغير الحال هي سياسة منحطة موجبة لأسوأ

العوارض.

ولا يكون النجاح في عالم السياسة إلا ببعد النظر والتطلع إلى المستقبل، وإنا

نتخذ تأسيس البلجيك لمستعمرة الكونغو مثالًا بارزًا على بعد النظر: كانت حالة أفريقيا

مجهولة منذ أربعين سنة فأخذ عدد من الرواد الجسورين يكتشفونها، وقد كان على

رأس البلجيك آنئذ ملك ذو بصيرة واسعة فأدرك أن آسيا ستتخلص من ربقة الأوربيين

وأن مستقبل هؤلاء في أفريقية، فشرع في تأسيس إمبراطورية في أواسطها لم تلبث أن

صارت مساحتها لا تقل عن مساحة نصف روسيا وأضحت عاملًا كبيرًا في غنى البلجيك.

أرجو أن يكون القارئ اكتسب من مطالعة ما تقدم فكرًا في المقادير غير ما أخذه عن

الكتب، فما نشأ منها عن إهمال الأجداد يمكن تذليله بفضل العزم والإرادة، ومن دواعي

الآسف أننا لا نزال نخلق مقادير مصنوعة سيكابد أولادنا نتائجها السيئة، وإلا فهل في

دعوة الناس إلى المبادئ اللاوطنية والمبادئ القائلة بالفوضى وعدم التجنيد وصبرنا على

عصاة الموظفين وتكديسنا قوانين مضرة بالصناعة ومنح أساتذة المدارس طلابهم تربية

منحطة مادةً ومعنًى - هل في هذه كلها غير ما يؤدي إلى أسوأ النتائج؟ وهل يذهب سدى

حقد الشبان على الأفضليات التي بها عظمة الأمة وعدم المبالاة بجلائل الأمور والتسليم

الأعمى، وروح الازدراء والوقيعة وفقدان الأدب الناظم للعزائم؟ من أجل ذلك كله ننحدر

وترتفع ألمانيا التي تسلك سبلًا غير سبلنا.

ومما هو شديد الخطر أن يتبع شعبنا طريقًا لحمته الثورات وسداه الفوضى، فقد

انحصر شأن زعمائنا الآن في حماية العجز وقلة النظام ومطاردة صفوة الناس مطاردة

عمياء والسعي وراء المساواة في البؤس وضنك العيش والاستيلاء على الثروات التي هي

عماد العمل وإيقاد نار الحسد والشهوات في القلوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت