فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 145

إن الجزائر التي تعدل فرنسا مساحة قليلة السكان، فيسكنها خمسة ملايين من

المسلمين المخلصين لأنظمتنا كما يجيء في التقارير الرسمية، وإن كان إثبات هذا الإخلاص

يحتاج إلى جيش مؤلف من ستين ألف جندي، أي إلى جيش قريب من الذي يستعين

به الإنكليز على إخضاع 250 مليونًا من الهندوس وخمسين مليونًا من المسلمين الذين

يفوقون سكان الجزائر خطرًا وصعوبة في الانقياد. 1

ونرى في الجزائر - ما عدا المسلمين - أوربيين بلغ عددهم 800000 شخص

نصفهم إفرنسيون والنصف الآخر من الإسبان والطليان والمالطيين ... إلخ، فهذه العناصر

الأوربية المختلفة بأنسابها المتوالدة فيما بينها لا تتوالد والمسلمين، وليس اليوم الذي ينشأ

فيه عن ذلك التوالد شعب ذو أخلاق ومنافع تختلف عن أخلاق فرنسا ومنافعها ببعيد،

والآن أخذت فرنسا تبدو لهؤلاء الأوربيين مثل) ميسين السخي(دولة معدة لمنح الجزائر

مجانًا سككًا حديدية، ومؤسسات خيرية وكثيرًا من المساعدات الأخرى.

إن مسلمي الجزائر - ومنهم تتألف الأغلبية الساحقة في بلاد الجزائر - من ذرية

جميع الفاتحين الذين افتتحوا شمال أفريقية، ولو نظرنا اليوم إلى الأساس لرأينا ثلثيهم

من البربر وثلثهم من العرب، والفرق بين القومين ضئيل جدٍّا، فأحسن فارق لمسلمي

الجزائر هو تقسيمهم إلى سكان بدو وسكان حضر، وسنرى خلافًا لأحد الآراء السائدة

أنه لا فرق في انتساب العرب والبربر إلى هاتين الطبقتين.

ويمكن تلخيص كتاب الموسيو)لروا بوليو(بكلمة واحدة وهي» حمل المسلمين على

التفرنس «، وبهذه الكلمة يعبر عن الآراء السائدة لفرنسا في أمر الجزائر، فالنهج السياسي

الذي اتبعناه حتى الآن لحمل المسلمين على التفرنس يشبه في همجيته النهج الذي اتخذ

من قبل الأميركيين الأولين لإبادة أصحاب الجلود الحمراء، فقد كان أولئك ينزعون من

أيدي هؤلاء أراضي الصيد تاركين لهم حرية الموت جوعًا.

هذه هي سبيلنا الإدارية في دحر المسلمين، وقد أجاد الموسيو)فينيون (في وصفها

حيث يقول:

كان حكام الجزائر ينزعون قسمًا من أراضي القبائل عند كل عصيان ويسلمونه

إلى المستعمرين ويطردون أبناء البلاد الأصليين إلى الصحراء، وكلما كان العنصر

الأوربي يزيد عددًا كان يُحرَم أولئك الأبناء تراث آبائهم، وتُقصَى القبائل من

البقاع القاطنة فيها، فكانت نتائج هذه السياسة التي اتبعت ثلاثين سنة: أن

العربي الذي كان يدحر إلى الصحراء، ويشك في اقتطافه ثمرة عمله صار

لا يفكر في تحسين زراعته وإصلاح أرضه، وأنه لما صار العربي الذي حرم

أراضي قبيلته الصالحة للفلاحة والتمتع بالوصول إلى مجاري المياه عاجزًا عن

مقاومة القحط واليبوسة أصبح لا يحصد القمح الضروري لغذائه، وأضحى

يرى مواشيه تقل أو تزول، وأن ألوف الآلام والمحن التي هي من هذا النوع

زادت ابن الجزائر الأصلي حقدًا على المستعمرين، وجعلت الهوة بين العرقين

أبعد وأعمق.

1 إن كثيرًا من مسلمي الهند من العرب الخلَّص، وأكثر ما يشاهَدون في دولة نظام حيدر آباد، وقد بلغ

تعصبهم وخطرهم في حيدر آباد مبلغًا جعل الحكومة الإنكليزية تحظر على الأوربيين اجتياز شوارعها

بدون جواز وحرس، على أن منع اختلاط الهنود بالأوربيين أمرُّ عام، فكل مدينة في الهند تحتوى على

حيين منفصلين في الغالب بكثير من الكيلومترات: أحدهما حيُّ الهنود والثاني حيُّ الفرنج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت