فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 145

ولم يقض مرسوم سنة 1863 الذي صرح بأن القبائل مالكة للأراضي التي

تتمتع بها على طريقة «الدحر» ، وإنما بدل شكل هذه الطريقة واسمها، فصارت

تسمى «طريقة التملك لأجل المنفعة العامة» ،وتتصف الطريقة المذكورة

بصفتين: أولًا أنها لا تجود على المستعمرين بأرض إلا من أرض العرب، ثانيًا

أنها تؤسس دوائر للأوربيين محرمة على العرب المحكوم عليهم بالفقر والبؤس،

ويعوض بحسب هذه الطريقة على مالك الأرض بمبلغ تقدره المحاكم، ويتراوح

هذا التعويض عادة بين 50 فرنكًا و 60 فرنكًا تلقاء كل هكتار، فالجزائري

الذي يملك ثلاثين هكتارًا أو أربعين هكتارًا، أي ما يقوم دخله بعيشه وعيش

عائلته طول الحياة يعوض عليه بمبلغ متراوح بين 1?500 فرنك و 2?000

فرنك، أي بمبلغ لا يكفيه سوى سنة أو سنتين.

ومن أغرب ما رأيناه في مداخلة الحكومة مداخلة مطلقة في بلاد الجزائر هو

الاستعمار الرسمي، فعلى القارئ أن يطالع الكتاب الذي أشرت إليه آنفًا ليطلع على قصة

ذلك الاستعمار المحزنة، إذ يرى فيه نتائج توزيع الأراضي مجانًا على زمر المنحطين الذين

هم أقرب أن يدرسوا لغة البراهمة المقدسة من أن يحسنوا حرثًا أو زرعًا، ويرى فيه

كيف أصبحت القرى الرسمية مقفرة دارسة المعالم، ولم تكف تلك التجربة الخطرة وما

أدت إليه من النفقات العظيمة لتنوير رجال إدارتنا، فلقد طلب حاكم الجزائر العام

إعطاء خمسين مليونًا من الفرنكات لنزع أملاك العرب، وإيجاد قرى غير التي نالتها يد

الإخفاق، فلحسن الحظ رفض البرلمان هذا الاقتراح الذي لو تم أمره لثار المسلمون في

الجزائر، وجشمنا ذلك إنفاق كثير من الملايين، ويثبت لنا الاقتراح المذكور والمناقشة فيه

ثم احتمال قبوله درجة سذاجة الفرنسويين في مادة الاستعمار.

ولا نعجب من أن تلك التجارب تجعل الجزائر تكلفنا ثمنًا غاليًا، ويقدر العارفون

أننا أنفقنا عليها أكثر من أربعة مليارات ما عدا دخلها الذاتي، فهل بعد هذه التضحية

أخمدنا ثائرها، ووطدنا فيها دعائم السلام؟ ذلك ما نرجوه، ولكن لا يغيبن عن بالنا أن

حفظنا للنظام في تلك الربوع حفظًا نسبيٍّا استلزم - ولا يزال يستلزم - جيشًا عظيمًا.

لقد سرنا منذ فتحنا الجزائر على مبدأين سياسيين أحدهما نزع أملاك العرب ودحرهم

إلى الصحراء، والثاني حملهم على التفرنس بإكراههم على قبول أنظمتنا، ولم نفلح في

دحر العرب إلى الصحراء حيث لا شيء يغتذون به، ولا ريب في أن ملايين كثيرة لا ترضى

بالموت جوعًا قبل أن تبدي شيئًا من المقاومة، وكذلك لم يقبل العرب أن يتفرنسوا، فما

استطاعت أمة أن تبدل مزاجها النفسي لتعتنق مزاج أمة غيرها.

إذًا فالمبدآن فاسدان، ولم يوجب انتقالنا من أحدهما إلى الآخر رغبة في تعديلهما،

فسنواظب على تجاربنا الخطرة حتى يجيء اليوم الذي يدرك فيه قادتنا أنَّ تركنا للبلاد

المفتتحة نظمها وعاداتها وطرق معايشها ومعتقداتها - كما تفعل دول الاستعمار، ولا

سيما إنكلترة وهولندا - أبسط الأساليب الاستعمارية وأكثرها حكمة وأقلها نفقة.

ويتعذر اتخاذ هذا الوجه في الزمن الحالي لمخالفة الرأي العام له، يؤيد ذلك سير

رجال إدارتنا، وما ينشر في الجرائد والكتب من الآراء.

وما كدنا نتخلص في الغرب من تأثير المعتقدات الدينية حتى ظننا أن الأمر كذلك في

أنحاء العالم، والكتاب الأوربيون الذين أدركوا مسألة الدين في الشرق فوق جميع المسائل

قليلون إلى الغاية، فالدين عند أتباع محمد صلى الله عليه وسلم كما عند أتباع (سيفا) أو (بوذا)

يسيطر على النظم المدنية والسياسية، وعلى الحياة العامة والخاصة، وليست أمور الأكل والشرب

والنوم والزرع والحصاد عند الشرقيين سوى أعمال دينية، وقد أدرك الإنكليز ذلك على ما

في بروتستانيتهم من تشدد، فأحيوا معابد الهند وحافظوا على كهنة (سيفا) و (فيشنو)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت