وعليه إذا كان الأستاذ (بوغله) يقول إن الفلسفة الغريزية تؤدي إلى القضاء على
مبتكرات العقل، فإننا نقول إن اليوم الذي تنتصرفيه هذه الفلسفة هو اليوم الذي يهبط
فيه البشر إلى أسفل دركة في التوحش، فالمتوحشون واللصوص هم الذين اتخذوا فلسفة
الغريزة دليلًا لهم في كل زمان، فلنتركها لهم.
يكمن تحت النقابية الثورية وضعف الحكومة انقلابات عنيفة، ولربما ينجم عن
الانقلابات في نهاية الأمر بعض الفوائد، فروح الشعوب في بعض الأحيان هي من الثبات،
بحيث يتطلب أقل تغيير فيها مرور زمن طويل أو نشوب ثورة عنيفة إلى الغاية،
نعم تكلف الثورات ثمنًا غاليًا وتنتج قليلًا غير أنه يبقى منها شيء على كل حال، فقد
استلزم نيل الفرنسويين بعض الحقوق ومساواة أمام القانون حدوث دور الهول وحروبًا
استمرت في أوربا عشرين سنة، وقتل ثلاثة ملايين من الرجال، وما كان ذلك ليفوت
الفرنسويين من غير ثورة، فالقاطرة مسوية أكثر من المقصلة، ولكن أنى للفرنسويين
الصبر ولم تمن به الآلهة على الشعوب اللاتينية؟
البحث في شأن النقابية في العالم الاقتصادي لا يتحمله صدر هذا الفصل؛ فلذا نقتصر
على القول بأنها لو تخلصت من الفوضويين لأصبحت أداة صالحة لمناهضة الاشتراكية
الحكومية التي تتورط فيها كل يوم، والتي تدعو بلسان المقال إلى البؤس في المساواة
والاستعباد. فلا يغيبن عن بالنا أن النقابية هي - كما بينت سابقًا - عدوة الاشتراكية،
فضم الكلمتين إحداهما إلى الثانية هو كنعت إنسان بمسلم نصراني أو ملحد متدين،
وإني أنصح الذين يجهلون هذا الفرق الذي يصر الاشتراكيون على إنكاره أن يطالعوا
الرسالة المفيدة التي دبجها يراع النقابي الموسيو (إدوار بيرت) ، إذ يرون فيها الفرق
الشديد بين الاشتراكية التي هي عنوان الحكومية، وبين النقابية التي ترفض كل مداخلة
من قبل الحكومة، وقد اعتبر هذا المؤلف انتشار الاشتراكية نتيجة لانحطاط الطبقة
الوسطى، ثم حارب الفوضى التي عدها مناهضة للرقي أو مانعة له، وأما رأس المال
الذي يمقته الاشتراكيون فالنقابيون يدركون شأنه إدراكًا تامٍّا.
قال الموسيو (بيرت) : «النقابية تعتبر نظام التمول ساحرًا عجيبًا استطاع بمعونة
الجرأة وملكة الاستنباط الفردية والتعاون أن يخرج من العمل الاجتماعي جميع وسائل
الإنتاج.»
ومع ما تقدم يعلم الاشتراكيون الذين ينكرون أنفسهم بالتدريج أمام مزاحميهم
أن النقابية» تكدح في حرمان الحزب الاشتراكي ناخبيه من العمال، «ومزاحمات مثل
هذه نذيرة بوقوع نزاع كثير، فلا تخافن ذلك النزاع المقدر الذي لم تجد الطبيعة وسيلة
للرقي غيره. وهل يخلو مكان من نزاع؟ فالنزاع واقع بين أنواع الحيوان وبين الأمم وبين
الأفراد وبين الجنسين وبين خليات الجسم الواحد، وما على المرء إلا أن يجيد الدفاع في
أثناء هذه المنازعات التي لا مناص منها، ويسير العالم معنا أو علينا بحسب ما نكيف
به أنفسنا، ولا بد من معاناة مقتضيات الطبيعة على رغم لعننا لها.